لوفر ابو ظبي

لوفر ابو ظبي     2017/11/18 07:50 عدد القراءات: 1437




في القرن السادس عشر حدث الإصلاح الديني وحركته الكبيرة على يد لوثر في الغرب، وكان بداية لتحرير الإنسان الغربي من عبء التراث والتقاليد، ودعم للحركة النقدية للنصوص التأريخية والقديمة، كما يعرض ذلك هاشم صالح في كتابه (الانسداد التأريخي والتنوير). لم يكن هذا الإصلاح الديني وقيادة التنوير مرتبط بحركة سياسيّة تهدف إلى السّيطرة والنفوذ، إنما كان لأجل بناء المجتمع وتحريره من السيطرة الكَهنوتية والتقاليد البالية، والتبعيّة السياسية العمياء، وبناء الهويات الوطنية. الخ، لهذا جاءت بعد حركة الإصلاح الديني، حركات وثورات أخرى أكتمل فيها البناء والتقدّم والتطوّر.. لم يكن التنوير والتحرُّر ومعه الهيمنة الثقافية يرتبط بالإعمار والتقدّم في البناء فقط، إنما يعبر إلى العقول وتنظيفها، وبنائها على مر الأجيال، انها مثل حالة الدولة حين ترتبط بالأجيال، لا بأشخاص يمسكون السلطة لفترة، وحالما ينتهون، انتهت الدولة ومعها التنوير، والسيطرة الثقافية!

*

افتتح لوفر ابو ظبي قبل أيام، وهو أول متحف عالمي في الشرق الأوسط، ويعرض مجموعات كبيرة من الأعمال الثقافيّة والفنية، ومن مختلف الحقب والحضارات البشرية القديمة، مع عروض تخص الحضارة العربية وتقاليدها وثقافاتها في هذه البلدان.. مع تكاليف باهظة كلّفت الإمارات كثيراً، تتضمّن حتى الاسم المأخوذ من متحف اللوفر الفرنسي، أكبر متحف في العالم.

زامن افتتاح لوفر أبو ظبي أغنية لفنانين إماراتيين عنوانها "قولوا لقطر". كان على رأس الفنانين المطرب حسين الجسمي، الإماراتي المعروف، مع اغان سابقة شاركا فيها الفنانان العراقيان وليد الشامي وماجد المهندس، وكثير من المطربين الخليجيين. وفي الحقيقة؛ لم تبقى شتيمة في قاموس الانتقاص والسخرية من الآخر لم تُستخدم في هذه الأغاني الموجهة ضد قطر، وصلت الى استهداف مفكرين وكتاب، وانتهاك الأعراض، واتهام بالشرف، وفي الحقيقة هذا يوضّح الفجوة الثقافية والأخلاقية بين ما وصل إليه الخليج في البناء، وبين ما يتراجع فيه بالأخلاق ومعرفة التعامل مع الآخر، وكيفية الخصومة وأشكالها في التعبير.

وفي فترات الصعود القومي حدثت صراعات ومعارك كثيرة سواء كانت عسكرية او سياسيّة، لكن لم يكن هناك استهداف بهذه الطريقة الخليجية التي نراها مع رعونة القوميون وانفعالاتهم، وسلوكهم السياسي المتحرّك بالشعارات والحماسيات في كثير من الأحيان. وأخرجت بغداد ومعها القاهرة ودمشق أعظم الإصدارات الثقافية وقتها من فكر وأدب ومسرح واغاني.. الخ، مع تحرّك نحو التمدن والدخول في مسير التطوّر البشري. لكنّه للأسف كان تطورا مرتبط بحركة سياسيّة وقتية، لهذا انحسر وانتهى مع انتهائها، خاصّة في البلاد العراقيّة التي استحالت إلى خراب بسبب هذا التراكم السياسي الفاشل.

*

ليس هناك تعدُّدية سياسيّة، وليست هناك تعدُّدية فكرية أو دينيّة، مع تجسيد المقولة المعروفة "إذا قال السلطان قال الشعب". وبين هذه الدول الخليجية والتنوير قرون من التراجع والفصام.. ليس هناك بناء يُعتبر تنويرا.. إنه تحرير العقول والأفكار، مع احترام الآخر مهما كان رأيه، ومهما كانت اتجاهاته.. لوفر أبو ظبي يعني في وجه آخر استبداداً أكثر، وتراجعاً في الوعي السياسي والديني أكثر وأكبر من السابق.. أنه بناء يعلي من الجدار الحامي لسلطة العوائل وحكم الأمراء.

ليس هناك صوت مخالف في هذه الدول إلا القليل القليل، هناك أصوات دينية وثقافية وسياسية وفكرية تردّد مع الأمراء ما يقولون، وكأن كلامهم قرآن منزَّل.. إذ لا مساحة للعقل هناك، ومن يضّيع العقول لا يعرف التنوير ولا الثقافة ولا الفكر، إنما يحاول ان يهيمن بالأموال، والأخيرة زائلة لا محال، ودوام الحال من المحال كما قيل في الأثر.

Top