حكاية اسمها المجلوطون من العبادي!

حكاية اسمها المجلوطون من الع     2017/10/31 11:39 عدد القراءات: 1836




تخيل ان يتمتّع سياسي ومسؤول برواتب الدولة وامتيازاتها وحصانتها وحمايتها، ويطعنها ولا يعترف بما تتقدّم به او ما تقدّمه. على ماذا انتخبه الناس؟ حتى يشعر بالامتنان لدولة أخرى؟!

أطل علينا قبل أيام كاظم الصيادي، وهو يقسم بـ"العباس"، ويؤكد في قسمه على ان سيطرة العراق على كركوك كانت ببركة الحاج سليماني، لا العبادي!

مثلما لا ننكر دور أمريكا وتركيا بما حصل، لا ننكر دور إيران أيضا، وهذه هي السياسة، تحالفات والتقاء مصالح، وبالنتيجة، كلٌ يعمل لمصلحته! ولم نرى في العالم مثلا من يحسب الانتصارات للخارج، لا لبلاده في ظل انفتاح العلاقات! تخيل ان يستمع المجتمع العالمي لسياسي عراقي يحسب النصر إلى إيران لا العراق.. اي نظرة احتقار سينظرون لنا بها؟!

الصيادي وجماعته ينظرون للدولة العراقية على إنها متمثّلة بشخص معيّن، وما دامت لا تتبرك برئاسة المالكي فهي لا دولة، وكل نصر لها وهمي وكاذب، وما دام المالكي رئيسها فهي دولة عظيمة وبمصاف الدول المتقدّمة!

بهؤلاء لا يمكن ان تُبنى دولة، ولا يمكن ان تكون هناك سيادة للعراق، فالسياسي الحقيقي يهدف الى خدمة نفسه وبلاده، وفي وقت الأزمات التي تهدد الخارطة والحدود يتم العبور على الخصومات الشخصية وتكون هناك إرادة سياسية للحفاظ على السيادة، لكنّهم - أي الصيادي وجماعته - يحاولون بناء سلطة على حساب الدولة، ولا أظنهم يفهمون شيء أسمه دولة!

*

قبل أيام وفي سياق حديثه عن السؤال الذي وجّه له عن المالكي والأنتخابات، أكد العبادي عن ان هناك قادة نصبوا العزاء بسبب تحرير الموصل! وهو ماضٍ في التحقيق عن أسباب سقوط المحافظات العراقيّة! وهذا الحديث يُعطي صورة جلية عن الصراع القادم، والفضائح السياسيّة التي ستكون مدوية حتما في الفترة التي تسبق الانتخابات، وكذلك يُبين انزعاج الصيادي، ولماذا يريد ان يحسب هذا الإنجاز لإيران، لا للعراق.

لدى العبادي ملفّات كثيرة بالإمكان ان تخدمه في المعركة الانتخابيّة القادمة، انتهى إنجاز تحرير العراق من داعش، وبدأت بعده أزمة كردستان وأنتصر فيها لحد الآن، لتنتظره حرب الفساد والإعمار، وهذا يُبين إرادة المجتمع الدولي للعبادي ودعمه في هذه الملفّات.. كلما خف بريق انتصار ما، ظهرت قضية أخرى تجعله حديث الساعة.. أما سألتم أنفسكم عن كل هذا التقدّم الحاصل؟! يدرك الجميع ان الكفة الآن للعبادي، وإلا ما نصبوا العزاء بسبب تحرير العراق!

 *

كذلك في خطابه الأخير ضرب العبادي خصومه بطريقة ذكيّة.. بمعنى "انهم منشغلون بالانتخابات وتفاصيلها والتحضير للانشقاقات، لكنّي أنا منشغل بالإنجازات لهذه البلاد وبهدوء!".

والواقع، يمكن لهذه الإنجازات ان تكوّن قاعدة انتخابية جيّدة للعبادي، لكنّها طريقة مشروعة ومرتقبة من الوطنيين، وليتها تكون دعاية لكل السّياسيين على عكس السائد في الحكومات السابقة؛ تزوير، طائفية، شراء الذمم، فساد، تلاعب بالأراضي العراقية، ضرب عقول الناس بالأوهام والتجهيل المتعمَّد، مع تنازل عن المكتسبات الوطنيّة.. الخ. خاصّة في إشارته انه كلما تم تصعيد الخطاب ضدّ الإقليم في الفترة السابقة تمدد مسعود في الأراضي العراقيّة!

وكأنه يذكّر بأن المعركة السابقة معركة مناصب ونفوذ، والمعركة الحالية معركة إرادة وطنية ووحدة سياسيّة لمعالجة أزمات هذه البلاد.. وهذا ما لا يقبله الصيادي وأسياده.. فكانوا على أستعداد ان يقدموا كركوك لأجل ولاية ثالثة!

إضافة إلى سلوك جديد تحدث به الرجل، ألا وهو القائمة الوطنيّة والعبور على الطوائف والقوميات! ولأنه صاحب إنجاز كما يعتقد تراه يتحدّث بالقائمة الوطنيّة، فالإفلاس السياسي فقط من يدفع للترشيح باسم المذاهب والادعاء بحماية الطوائف.

*

يؤكد العبادي دائما على الابتعاد عن سياسة المحاور، وسيادة الإرادة الوطنيّة، والحقيقة انني أنظر لهذا الخطاب بتعجب وذهول.. منذ سنوات ونحن نصرخ: خلّصونا من حروب الوكالة يا جماعة!

*

في معظم خطاباته كأن العبادي يُعاني من أزمة إشادة في هذا التقدّم الذي يجري على يده، خصوصا في سخريته من قاسم سليماني على أنه سوبر مان، فالانتصار عراقي بحت، ولا فضل لأحد علينا. لكن المشكلة أراها في الخطاب الإعلامي الساذج، فهو ليس قوياً في الإعلام مثل سلفِه الذي أمتلك قلوب الناس بالأكاذيب الطائفية والسياسية، إضافة الى ان الإنجازات على أرض الواقع ستأخذ مداها، لكن تدريجياً، فهي ليست مثل رأسمال الطائفة، تتعاظم، وتكبر، وتخلق قواعد جماهيرية دون اي مؤهل، كما كان الحجاج وقادة المذاهب.

وفي الحقيقة ما دام العراق يتقدّم على المستوى الوطني، فإن هناك "مجلوطين" لا يعدون، لأنهم لا يمتلكون رصيدا سياسياً غير الدفاع عن المذهب والثقافات العابرة للحدود، ويعرفون انهم سيكونون من الماضي الأسود والمرير، لهذا يلجأون للدفاع عن أنفسهم، فيضربون وطنهم وسيادته ووجوده بين البلدان! ووسط كل هذا يردِّد العراقيّون نحن مع الدولة، لا معكم ولا مع العبادي، ولا مع المذاهب.. مع من يعمل للدولة فقط، مع من يصنع الاستقرار!

*

هناك حروب سياسيّة تنتظرنا، لكن الأهم ان نكون أكبر منها، كما كنا أكبر من الأزمات دائما، وكذلك نفتح عيوننا على ما يجري، ونفكر قبال المشاكل بسياسة.. سياسة وطنيّة، لا تبعيات طائفية، ولا انفعالات وحماسيات فارغة، وينبغي ان نتعامل مع العبادي بحذر وبالممكن في المستقبل القريب والبعيد ولا نقع بذات الخطأ الذي وقعنا فيه مع المالكي.. وما دام العبادي مع الدولة والإرادة العراقيّة نحن معه، وما دامه مع المحاصصة والتبعيات الخارجية نحن ضدّه، والعراق ومستقبله وخارطته وحدوده وشعبه من وراء القصد فقط!

Top