أبو تحسين!

أبو تحسين     2017/10/03 17:48 عدد القراءات: 747




في مواقع التواصل الاجتماعي، كلما كتب أحدنا ضدّ الفساد الحكومي، والمحاصصاتي بالضرورة، ردّ عليه أبناء الجيوش الإلكترونية والعاملين لدى الخارج بأننا في أوقات حرب، ولا يجوز التنظير، مع الجملة المعروفة: "الحشد يقاتل وانت تنظر في الفيسبوك"؟!. وكذلك كلما ظهر احتفال للشباب بقضية معيّنة، هاجمهم فرسان الفيسبوك بأن الحشد يقاتل وهؤلاء يحتفلون.. لا تفرحوا، ولا تضحكوا، ولا تخرجوا في الشوارع، ان كان فيكم خيراً قاتلوا وانزفوا دما، ولا تكونوا عملاء سفارات أو أبناء رفيقات!

هذا صار سلوكاً لدى شرطة الفيسبوك، الذين ليس لهم عمل سوى مراقبة الناس، والدفاع عن الخارج، ومحاولة إفشاء التضليل والتجهيل، وتحويل الشباب إلى شهداء في سوريا والعراق واليمن وربما قطر في المستقبل!

الشاب إذا أهتم بتسريحة شعره، وطريقة لبسه، وحياته، سيكون عدوا مبيناً بالنسبة للخطباء والشيوخ والتابعين يهاجمونه في محافلهم وشعائرهم، ويكون بنظرهم "اغم وخنيث"، يجب ان يكون الشاب معبأ بشعارات المقاومة والجهاد والدفاع عن المذهب، ويكون عاشق للشهادة، لا لحياته ودراسته ومستقبله، وبناء عائلته والعمل على الاستقرار مع أطفاله.. يريدون من الشباب ان يكونوا أسرى للبنادق وحمم النيران، يريدون من الناس ان يحترقون بحمى المذاهب والهراء الديني السياسي.

تذكّرت كل هذا؛ وأنا أشاهد مقاطع ڤيديو للشهيد ابو تحسين، كان يقول للعراقيين في إحدى مقاطعه : "أطلعوا، افرحوا تونسوا، الجو ربيع واحنه ندافع عنكم". وهذا هو كلام الشرفاء، والمُصلِحين، وذوي الأهداف النبيلة والوطنية. بينما المقاتل اللفو والفيسبوكي والمموّل من الخارج يقول: نحن ندافع عن المذهب، ويحاول ان يُعمم ذلك على الناس، حتى يضللهم، ويفتت هوياتهم .. ابو تحسين يقول في ذات المقطع: "احنه عراقيين بدون تعصب مذهبي وديني" والواقع انه يريد ان يبني وطن ودولة، لا نفوذ مذهبي وميليشاوي على حساب استقرار البلاد وأمانها. ابو تحسين يريد ان يذهب الى بيته بعد المعركة لا ان يُسيطر على مقدّرات الدولة والناس، ويتحكم بها وفق ما تقتضيه المصلحة الخارجية!

ابو تحسين يدافع عن العراق والعراقيين من دون ان يشعر أنه متفضل، وينبغي ان يكون سيداً عليهم.. من دون ان يقول لهم: انا حميت أعراضكم.. يشعر ان هذا واجبه الأخلاقي والوطني دون ان يذكره او يتبجح به، ويجعله نغمة يصدّع رؤوس الآخرين بها، ولأنه مقاتل حقيقي، فأفعاله تثبتها ساحات الوغى، لا الإعلام وطرقه الرخيصة وأهدافه السياسية القذرة!

ابو تحسين لا يحب الأضواء، بل هو عدوا لها، لأنه منشغل عنها بأعماله، ويريد ان يقدّم ويُثَبِّت "عراقه" وسط هذه المعارك، هو وأمثاله يكرهون الإعلام ويكرههم، لأنهم لا يحملون رسائل سياسية "خارجية وداخلية" لهذا بقي الإعلام الخارجي يصدّر علينا التافهين، والذين لا يجيدون إلا تعذيب الأجساد والتنكيل بها، مع من يتحدّثون باسم المذاهب، وهذا حق وذاك باطل، لتعميق الانقسام المذهبي، وتفتيت الهوية العراقية، التي لا سيادة لأي عميل ان كانت هي الجامع والمرتكز الوحيد، ولأن ابو تحسين مؤمن بهويته فهو عدوّهم، ولا يمكن ان يصدّر!

أنا متأسف لأن ابو تحسين وأمثاله يموتون وسط هذه الأجواء التي نحتاج فيها إلى كل وطني، متمسّكا بعراقه، ويعرف قيمته.. لم يكن ابو تحسين سنّيا ولا شيعيا، كان عراقيا وحسب، وهذا ما يبعث على الأسى.. يموت العراقي العاشق لبلاده، ويعيش العميل الذي يقدّم أراضي بلاده مع كل منصب أو حفنة أموال تافهة .. هذه هي المعادلة التي تتحكَّم بنا منذ سقوط الطاغية الى اللحظة التي أستشهد فيها ابو تحسين صابرا محتسبا محبا لوطنه وأرضه العظيمة.

*

رحمك الله أيها القناص الذي قتل لوحده ٣٠٠ داعشي، بينما غيرك بجيوشهم ومقاومتهم وأكاذيبهم يخافون من الـ ٣٠٠ ويرمونهم على حدودنا، ويدافع عنهم بعض المحسوبين على العراق، الذين لم يعرفون لذة ان يكون الإنسان وطني، مثلك تماما يا ابا تحسين أنقى من الماء، وأشرف من كل شعار وقيم فارغة !

Top