الناس يبكون كربلاءاتهم!

الناس يبكون كربلاءاتهم     2017/09/30 17:42 عدد القراءات: 2046




حسناً فعل الحسين بن علي حينَما جاء إلى العراق مع عياله، لتتحول قصته إلى ملجأ المنكوبين والذين احترقت قلوبهم وأرواحهم بفعل الأحداث المستمرّة. كأنها نبوءة من الحسين وهو يعرف ان هذه الأرض تعيش بين فكّي الموت والنار.. ليس لحفلات الموت الجمعي هنا من عزاء سوى الحسين ومصيبته المنقولة في الكتب والتراث وألسنة الخطباء وتجار المصيبة. لاحظ أن عراقياً يفقد ثلاثة أولاد في صبيحة واحدة، يأتي المعزون فيقولون له: تأسى بالحسين واصْبِر، وانظر لعراقية فقدت ولدها بعدما كَبُر أمامها مثل نبتة صغيرة تحوّلت إلى شجرة ثمّ قطعت، يقول لها من يريد مواساتها: أنظري لزينب وتأسي بها!

واقعاً ان شهر محرم ليس الأساس في هذا الحزن العراقي، إنما جاء كإضافة على وجوده الضارب بعمق التأريخ، فمنذ أوّل حضارة تأسّست هنا كانت المواكب والطقوس الدينية الضاجة بالبكاء والحزن، ولعوامل عدّة، منها البيئية والدينية والمعيشية. توالت المصائب على هذا العراق إلى ان حلّت به كربلاء، والتي أصبحت أيقونة، ومتنفس للمظلومين والمعذبين أبدا في هذه الأرض.

*

من جديد، وفي السنوات المتأخّرة، بدأت الخطابة الحسينية تأخذ شكلا بكائيا عجائزيا، على عكس ما كانت عليه في السنوات السابقة، محاضرة او بحثاً دينياً طويلاً، ومعه بكاء خفيف يَستمر لخمسة دقائق أو أكثر بقليل، أما الآن، محاضرة خفيفة، وبكائية بالضرورة، ونواح مستمر، وربما يكون هذا تعبيرا عما يريده الناس، وما يمرّون به. ليس للمساكين عقول يفكرون بها، ولا أوقات تتمتّع بها أذهانهم للبحث عن المعرّفة من رجال الدين، إنما هي فرص لاستحضار الذكريات وصحبة الأحباب بدمعة عراقية مريرة. الخطيب البكائي صار هو صاحبهم الذي يستأنسون به.. لا موعظة ولا نصيحة ولا بحث، بكاء فقط يا سيّد، بكاء يشفي قلوبنا المحترقة بآلام الموت الذي يصفع بنا في عراق يحكمه من يدّعون وصلا بالحسين وآل الحسين!

الأخ الذي فقد أخاه في دوَّامة الفوضى العارمة التي عصفت ببلادنا يتذكّر العبّاس كرمز للأخوة وعمق المصيبة في فقد الأخ. حالما يشرع هذا الخطيب بسرد مصيبة العباس ترى الإخوان يبدأون بحفلة البكاء وإعادة الذكريات، كل أخ هنا هو عبّاس مقتول، مقطعة يداه أما في مفخخة او حرب من هذه الحروب التي لا تكاد تنتهي. والأم التي فقدت أبنها، تستحضر مصيبة قاسم العرّيس المتخيّلة في الطف، وبغض النظر عن صحتها او خرافتها، فإنها ملجأ للأمهات، اللواتي احترقت قلوبهن وارواحهن بفقد أولادهن.. في كل زقاق هناك قاسم، عرّيس، بعمر الورد ذهب إلى الحرب وعاد ملفوفا بعلم، يضعون على قبره برقع أبيض كناية عن أنه شهيد عرّيس، ومعظم الآباء العراقيون لديهم علي الأكبر، الشاب الجميل، الذي أستشهد دفاعاً عن أرضه، وفقدوه ودُفن تحت التراب.

كل مشهد في الطف، هو مشهد عراقي خالص، عرّيس شهيد، وشباب تقطّع أوصالهم، وآباء يفقدون، ونساء يبقين دون معيل، خيام تحرق في الطف، وبيوت تهدم وتحترق في صواريخ الحروب وحمم نيرانها، وهناك إرهاب يشبه إرهاب يزيد المتداول في الموروث الكربلائي الذي يخص معركة الطف. وللخطيب الحسيني احمد الوائلي مقولة سمعتها سابقاً: "الناس يبكون على أنفسهم بالواقع" وللكلمة أبعاد صحيحة، وحقيقية في العراق ومصائب الناس فيه، ففي الحسين يتذكّر الآخرين نكباتهم نكبة نكبة، وفي مصيبته يجدون عزاء للصبر، فالمثل العراقي المعروف: "اللي يشوف مصيبة الناس تهون عليه مصيبته" والعراقي الذي يسمع مصيبة الحسين تهون عليه مصيبته على أي حال. تتجلَّى واقعة الطف بأفظع صورها بين شوارع الجنوب والموصل!

*

للأسف أصبح هذا البكاء عامل مخدر للناس في أبعاد القضية الحسينية وتجارة للخطباء والسياسيين معا، فأي أحد يتلاعب على عواطفهم يصدِّقون به، ويسيرون خلف كلامه بطاعة مفرطة، واي خطيب يبكيهم ويداعب مشاعرهم المحترقة يكون مقدسا. كل من يلطم ويدَّعي انه قريبا من الحسين صار شريفا حتى لو كان فاسد! ومن خلال الحسين يسرقون، ومن خلال الحسين يقتلون أيضا! وخير مثال كلمة أحد الخطباء التابعين للخارج: "الإمام الحسين لا يريد علماء، لا يريد مثقفين، يريد عشَّاق شهادة" وهذا الخطيب يحرف ويضلل الشباب بأن لا يتعلموا ولا يتقدمون في حياتهم، ليكونوا قرابين رخيصة للخارج، لجماعات الولي الفقيه، المتاجرين باسم الحسين.. ليس لبعض الخطباء والمقدسين من عمل سوى تعبئة الشباب ليكونوا شهداء مثل الحسين، لا تدرسوا، ولا تتعلموا، ولا تعيشوا حياتكم، استشهدوا وكفى!

الطقوس، والشعائر هي جميلة، وتعبر عن التنوّع الوطني لو كانت هناك دولة حريصة على أمن شعبها، والحفاظ على حياته، لكنّها قبيحة حين تُستغل من الخارج طائفيًا، وحين تكون منومة، وتعمّق هذا التراجع في كل مقوِّمات الحياة.. لا يجد العراقي حتى ماءً نقيّا يشرب منه، لكنّه يلطم مع سياسي فاسد حزين على الحسين وعياله.. حزين على الطف، بينما هناك طفوف عراقيّة لا يُحاول إصلاحها، ولا تغييرها، بل يزيد من فجيعتها، ويساهم في إحراق خيام العراقيين، خيمة خيمة!

Top