المأزق السني

المأزق السني     2017/09/26 19:32 عدد القراءات: 1178




في بداية 2015 قال مسعود بارزاني: ان "الخاسر الأكبر في هذه الحرب مع داعش هم العرب السنّة (في العراق)". كان هذا التصريح حتى وان كان صحيحاً في عدّة وجوه، فهو ضمن سياسة مسعود في الدفع للانقسام الطائفي، بمعنى؛ أنتم الخاسرون، والشيعة من تسبّبوا بخسارتكم، وهذا ما حصل فعلاً بسبب فشل العقلية الشيعيّة في الحكم، أو بشكلٍ أدق: العقلية الإيرانية في إدارة الأزمات بالعراق! أي ان الطبقة الحاكمة أضفت الواقعيّة على هذا التصوُّر القائل بأن الشيعة هم أعداؤكم، واستغل مسعود بارزاني هذه المشاكل خير استغلال، وقام بتوظيفها لصالحه كالعادة.

بعد داعش، أنهكت النُخبة السياسية السنيّة، لم تكن لهم قيادة موحّدة، ولا توجد سياسة محترمة واتجاهاتها واضحة حتى يتعاملون وفقها أمام الانعطافات السياسية العراقية المتغيرة، إضافة إلى ان فيهم طائفيين، أشبه بالمالكي وجماعته، كذلك عملاء، يتعاملون مع الأتراك والخليج، ولا يستطيعون التحرّك دون الأوامر، هي ذات المشكلة الشيعية مع النخب المتحكّمة بهم، لكن الكارثة ان المجتمع السنّي واجه معاناة لا يمكن ان توصفها لغة وسيناريو بسبب احتلال داعش والحرب عليها، وكذلك جرّاء فشل هذه الطبقة السياسية التي تدّعي إنها تمثّل المكوّن السنّي، وأدخلته في كل هذه المعاناة.

أعلن مسعود عن الاستفتاء، وقد أجري في الأمس بطريقة انفعالية ومزوّرة، وفي العودة للتصريح الذي ذكرناه في بداية المقال، فإن المتضرّر الأكبر الآن هم أيضا العرب السنّة، لكن لا يذكر مسعود هذا التصريح الآن، لأنه لا يصب في مصلحة قيام دولته المرتقبة، ولأنه لا يؤجج الطائفيّة قبال ما يفعله الأكراد، فينبغي ان يصمت السنة، ولا يتحدثون بأراضيهم التي يقضمها مسعود وجماعته لصالح دولة كوردستان.. وهنا ينبغي ان يعرف المجتمع السني ما دفع به مسعود في السنوات السابقة، وكيف ان هذه طائفية مصطنعة ومدفوعة.. في قيام دولة كوردستان ستتمتع الأراضي السنيّة بجار عنصري، عرقي، وسيقضم أراضيها تدريجياً، وستكون هنا حرب الحدود، وربما يعمل على انضمام هذه الأراضي لدولته، مع إضفاء الواقعيّة على هذا العمل، مثلما عملوا على ان يجعلوا التقسيم نتيجة حتمية!

نستطيع ان نقول ان ما تمر به النخبة السياسيّة التي تمثّل المكوّن السني الآن، هو "مأزق سني" حيث لم يجدوا في بداية المعركة مع داعش، وحصول الاستنفار الطائفي أي سلوك سياسي جامع يبدأ معهم من جديد للنهوض من ركام الأزمات، ولم تحتضنهم بغداد، وقوبلوا بتهميش وإقصاء، وكذلك دفع ميليشياوي لكل من يتحدّث فيهم عن خطأ معيّن، او سلوك طائفي واضح، لهذا لم يلجأوا لغير أربيل، وهي المكان الآمن لهم، يصرحون بما يشاؤون، وعوائلهم في خير وأمان هناك، وبهذا كسبهم مسعود بارزاني، وامتلك ضمائرهم وحتى شعورهم الوطني، مع ضمان سكوتهم حتى في التجاوز على حقوقهم وأراضيهم وذاكرتهم التأريخية المشتركة!

تخاف هذه الطبقة من بغداد والفوضى السياسي الحاكمة فيها، فهناك من يفكّر بأن يضم أراضيه لمسعود، وهناك من هو رافض للاستفتاء، وهناك من لا يدري بالأصل ماذا سيحدث لهم في المستقبل، خصوصاً وان مسعود يمتلك ملفّات كثيرة بيده، منها ملف النازحين وغيره، لهذا حتى الرافض فيهم لا يستطيع الكلام، سيما وان بغداد مترعة بالميليشيات، كل واحد منهم يتحرّك كيف يشاء، ويصرّح بما يريد ويرغب

برأيي ان مفاتيح الخروج من هذا المأزق بأيدي العبادي والمتحكمين في بغداد الآن، ضمانات محترمة، مع تذكير بمصير أراضيهم التي تقضم ويشرب عليها الماء كما يُقال، والعمل المشترك، فإن اليوم هو وقت الوحدة "السنية - الشيعية" لأنهم ضُربوا بعدة "بواري" وهم منقسمون على ميليشياتهم، يبني الآخرين على أنقاض دمائهم دولا وأقاليم، ويبقى الأهم لديهم: الخصومة السنية الشيعية! لا يهم مسعود مصير السنة، ولا مصير الشيعة، ما يهمّه مصير الأكراد، قوميته وأهله، وقد أفرز عمله ملامح هذا التقسيم العراقي.. مالكم لا تتعلمون وتعملون على عراق واحد يخلَص الناس من هذه المستنقعات المحيطة بها؟! متى تكونون بحجم هذه التحدّيات التأريخية التي سترسلكم أما إلى الأنقاض، أو فوق أكتاف المظلومين، ممن يريدون وطنا ودولة مستقلّة ومحترمة، لا أداة يتلاعب بها الجميع.

تعلموا من التأريخ على الأقل... قبل ان يقطع وطننا إربا اربا..

Top