جيل المحرقة

جيل المحرقة     2017/09/23 17:37 عدد القراءات: 1818




بغداد اليوم 

أحد المصابين بحرب إيران، قال لي : "انت مو صحفي؟ دكتب قصتي للناس!". في الحقيقة قلت في نفسي : أي قصّة تكتب وكل العراقيّين لديهم قصص لا تستطيع إكمالها لفرط ألمها. ليس هناك شيء غريب في هذه البقعة، تتكالب أحزان الأرض وتتجمع هنا على رؤوس الناس جرّاء الإستبداد والفشل السياسي، والاستعمار، وتحويل العراق إلى مكب لنفايات السياسة.

تذكّرت قصة هذا الرجل بمناسبة ذكرى حرب إيران بالأمس، ونحن نعيش في حرب وعلى مشارف حرب، وفي دعوات حرب أخرى جديدة بين العراقيّين !

أكتب قصّته وكأنّها على لسانه، وأعرف إنكم ستضحكون من الألم أعزائي القرّاء، وعلى الرغم من ان المأساة ليست بجديدة، لكن هي إعادة وتذكير لمن يمجدون بالطغاة والفاشلين في بناء دولة عراقيّة تخلصنا من كل هذا الهراء السياسي المستمر منذ اربعين عاما وأكثر!

*

قبل حرب إيران، كانت الدنيا بعيني عبارة عن "تتن" كما تسميها جدتي. كنت فرحاً في شبابي، أخرج وعلى لساني أغنية، وأدخل وانا أحمل رسالة من أمرأة حلوة، عرفتها في مكانٍ بغداديّ جميل.. بدأت الحرب، ولا أعرف منها إلا ما قرأته في كتب التأريخ، أو شاهدته بفيلم في سينمات بغداد.

دخلت للحرب، مدفوعا بأغاني حماسية، وركام من الشعر السخيف. سمعت أغنية كتبها عبد الرزاق عبد الواحد، وبصقت من دون شعور على راديو السيارة العسكرية، قال لي أحد المجنونين برعونة صدّام : شتقصد!؟. ومن يستطع ان يقول "قصده" وقطع الرقاب أسهل شيء في عراق صدّام؟. قلت له : بصقت على الراديو لأنه مشوّش، ولم يتركنا نستمتع بأغنية القائد، ومناقب القائد "حفظه الله" .. ردّ عليّ : هاااا . حسبت "الهااا" نذير إعدام!، وقتها أردت ان أقبل يداه، ليصدقني، لكنّه ذهب، وقتل في الحرب، وخلصت "بجلدي" عند موته.. أليس مصائب قوم عند قوم فوائد!؟ . 

الحقيقة كنت أفرح عندما أشاهد أحد المصدقين برعونة القائد يموت.. هو أحق بالموت منّا، نحن المأخوذين إليها عنوةً، وكالقطيع، ان لم نذهب، فسوف نقتل، وربما يقتلنا آبائنا كما فعل أحد مهابيل صدام.. هكذا هي الحرب، تجعلك تفرح بموت أناس، وتحزن لآخرين، تحوّل حياتك إلى بارود، وتحلم وحمم النيران تتطاير فوق رأسك المترع بالهراء الحماسي الذي يبثه البعثيون.. تعلمك الجشع هذه الحرب. شاهدت صديقي وهو يخلع بسطالا من شهيد، ويلبسه بسطاله القديم.. قلت له : هذا شهيد، والبسطال منقع بدمائه؟ قال : لبّسته بسطالي، ماله جديد حرامات يروح !. والحقيقة أنني منذ ان شاهدت هذا الفعل، بت لا أستغرب من شيء، حتى من سرقة مقتنيات جرحى المفخخات، وقتلاها، في عراق ما بعد صدّام.

امي كانت متعلّقة بي جداً، كانت لا تفارقني في إجازتي، ولحقتني لساحات الحرب في ساعة خوف وشوق عارم ألم بها.. ذهبت ذات يوم إلى عرافة في منطقتنا، أسمها (الزايرة) طلبت من الزايرة، ان تعطيها حرزاً أو عوذة، تجعلهم يطردوني من الحرب، ويعطوني إجازة إلى ان تنتهي، والحال ان الزايرة، أستشهد أبنها في ١٩٨٢ في بداية الحرب تقريباً، ولا أدري لماذا لم تعطي حرزاً لابنها يحفظه!؟.. رغم أني ومن حلاوة روحي، أخذت الحرز، أخفيته في جيبي، وكما تراني الآن، قُطعت رجلي اليسرى، في اليوم الثاني من التحاقي.. وكما يبدو؛ الزايرة "لاصتها عليّه!"

Top