نحن وعراقنا

نحن وعراقنا     2017/09/19 16:35 عدد القراءات: 753




يقول دوبريه "أجل، إنها لمصادفة محضة اني ولدت فرنسيا؛ لكن فرنسا خالدة على أي حال".

تمشي الأحداث والحروب وتخلف أمراضا مزمنة في المجتمع وطريقة تفكيره، وتقدمه، وعلاقته بدولته، ومنها لا يوجد هناك شعور وطني جامع إزاء هذه الأرض التي نعيش عليها. ماتت المشتركات في ظل هذا النّظام المحاصصاتي الذي يعتمد بالأساس على تعميق الانقسام والصراع الطائفي الشديد، واللجوء نحو الهويات الفرعية بتمظهراتها العشائرية والمذهبية والعرقية.

وفي هيمنة أحزاب المحاصصة على وسائل الإعلام، لم يُقدم أي خطاب وطني جامع يذكّر الناس بمصيرهم الأسود في تقاتلهم، ولم تظهر نخبة بمستوى التحدّيات، فإذا عجزت الحكومات عن بناء الهوية وتحقيق الاندماج الوطني، ستكون النخب مسؤولة عن التنظير لهذه الهوية، والعمل على تحقيقها بشتى الطرق، لا التنظير للاستقلال الطائفي والعرقي، وبناء حدود منفصلة عن الآخر الذي تشترك معه في الأرض والمصير والحدود!

اللجوء للحلول الانفصالية، هو شيمة الجهلة والضعفاء والكسالى والعملاء من الذين لا يستطيعون تحقيق اي شيء، سوى بناء الانقسام وتهديم الأوطان، ورميها في حُفْرَة عميقة، أعمق من اي خراب تتصوره عزيزي القارئ.. لا يلجأ المفكر والمثقف وصاحب الوعي إلى قتل التنوّع، وتقطيع الحدود قوميا ودينيًّا وعرقيا، والاتجاه نحو ثقافة الشعارات العدائية، واستحضار الكراهيات التأريخية المشتركة!

وفي ظل هذا الاحتراب السياسي والأحداث المستمرّة منذ أربعين عام، صارت حتى ثقافة "حب الوطن" هي تأتي لصاحبها بالعار، وهناك من ينّظر لذلك، مرّة من خلال شتم الوطن، ومرّة في السخرية من حدود سايكس بيكو، واخرى في جلد الذات، واستذكار كل أسود في هذه البلاد، ويأتي استذكار المصائب لا لإصلاحها، إنما إلى ضرب الرؤوس، وتغييب الأذهان.

حب الوطن والتعلًّق فيه، وتفضيله على الغير، ليس رومانسية أو قصيدة شعرية ممكن ان يكتبها خيال حالم في ليل بهيم. حب الوطن ليس ادعاءً مثالياً للوصول والتكسب والحصول على الرغائب المؤقتة، وليس كلاماً فارغاً يتغنى به الكاذبون للرياء والظهور بمظهر معيّن للصعود على أكتاف المساكين.

إنه شعور نظيف وهدف نبيل لا يُعرف بالشعارات الجوفاء، أنه يأتي بالتقدُّم وبناء مجتمع مواطني خال من الأمراض والعقد.. ولا يمكن ان تتقدّم الشعوب، وتبني وتعمر وتحقَّق الاستقلال دون سيادة هذا الشعور في العمل وفي الحياة اليوميّة.. كيف أبني بيتاً لا أحبه؟!

من يشتم وطنه بدعوى الأحداث المريرة، هو واهم بالحقيقة، ولا يحمل هموما تجعله واع لما يدور حوله. لا يوجد مجتمع لم يمر بمخاضات البناء والتغيير والدماء. إنها نتائج طبيعيّة في قواميس التأريخ والتجارب العالمية التي نتعلّم منها. ولابد ان يأتي يوما، ونحصل على "نخبة وطنية" تنهض ببلادنا من ركام الخراب والأزمات. هذه حتمية سنمر بها مهما حصل، ومهما رأينا من حرائق كبيرة. والزمن يمشي، ولا يلتفت لنا، وما علينا إلا ان نفكر وننتج ونعمل على التغيير، وبالقدر الذي نستطيع به.

*

أنا أحب عراقنا برغم كل شيء.. أحبه ولا أتخيل انني أشتمه في يوما ما.. شتيمة الوطن وحدوده تعبّر عن أزمة وشعور مفرط بالدونية.. رغم ان لها مبرّر واقعي، فالذي يشتم لم يحصل من هذا الوطن إلا اليأس والدمار، وأعتقد انها تعبير عكسي، هي حرقة على ما جرى للبلاد وما آلت إليه الأوضاع.. لكن ليس بهذا يتمّ عبور الأزمات. الاستخفاف بالوطن يجعله لقمة سائغة يقضمها التركي مرّة والإيراني مرّة أخرى، وأي تافه في كثير من الأحيان!

لابد ان يدرك الجميع، ان حب الوطن ضروري للاستقرار، وليس خيال يكتب عنه أصحاب الترف الفكري، ولا شعارات يتلاعب بها البعثيون والدعوچية ومن مشى خلفهما إلى النهاية الكبرى، ولابد ان يأتي يوم ونقول مثل دوبريه بتصرّف " أجل، إنها لمصادفة محضة اني ولدت عراقيا؛ لكن عراقنا خالد على أيّ حال". هذه هي حتمية الأوطان التي يعمل أبنائها على الرقي بها، لا إلى تفتيتها لأجل عيون هذا، ومزاج الدولة الفلانية !

Top