كافر نجس

كافر نجس     2017/09/12 14:52 عدد القراءات: 726




منذ أسبوع، وفي منطقة نائية اشتركت بالمصادفة مع ابن إحدى مناطق العراق البعيدة بغرفة واحدة ومنام واحد في رحلة عمل. مُتديّن يستمع إلى خطابات دينيّة مترعة بالكراهية وإقصاء الآخر، ويحلم بتطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء، لكنّه في ذات الوقت يتحدّث بالنساء كثيراً، وعندما يستمع إلى حديث عنهن يفتح فمه ذهولاً وتعجبا!

حاولت ان أتبادل معه الأكل والشرب والحديث لكنّه ابى ذلك بأعذار شتى. ولأنه لوحده معي فليس لي غير الكتاب وغيره أنيسا من هذه الوحشة. حاولت ان أضحك معه، رأيته يقابلني بكلمة واحدة ويدور وجهه عني مكتفيا بابتسامة باردة.

عرفت أنه ينظر إليّ كـ"نجس" بسبب انتمائي لأحد المذاهب بالمصادفة البيولوجية! كيف أستطيع ان أوصّل له أنني ليس لي علاقة بمذهبي ولا بمذاهب الآخرين؟!

كيف أقول له ان نفوره عني سبّب لي حزناً عميقا، أعمق من معظم الجروح الغائرة التي تأكل بروحي وذهني وسط دهر العراق ومصائبه التي لا تكاد تنتهي.

*

جلس يأكل لوحده، تقربت منه وأخذت من طعامه وأكلت مَعَه رغما عنه! وبدأت أتحدث له عن الطائفية السياسيّة والدينيّة ومنشأ الطوائف، وعن الهوية العراقيّة وكيف مسكوها وكأنها قطعة لحم ولابد ان تقسم إرباً إرباً. تكلّمت معه عما فعلته الأحداث السياسيّة بنا، وإلى أي درجة وصلت النظرة فيما بيننا، وهو لا يعلم بالطبع إنني أقصده بالذات! دام الحديث لساعات، أوصلته لدرجة أنه صار يخجل من النظر إليّ!

لم أقل له بنظرته إليّ في البداية، لكن من خلال الحديث غير المباشر استطعت ان أغيّره. الآن صار صديقي، وإذا رآني نائما لا يأكل إلا معي بعد ان أستيقظ، ولا يتركني اقرأ، يريد ان يسأل ويبادلني في الحوار والسوالف العراقية النقيّة!

*

فرحت جداً لما فعلته. لكني حزين على هذا المصير الذي وصلنا إليه، حزين بسبب كميّات التضليل التي تلقّاها أهلنا في العراق. أكاد أجزم ان خطاب إعلامي وطني ذكي ومسؤول سيغيّر الكثير من الناس وببساطة شديدة، لأنهم يعيشون في مستنقع من الأوهام والزيف السياسي الذي يتخذ من التأجيج المذهبي رأسمال رمزي ومربح.. أنا حزين لأني لم أستطيع تغيير الجميع، وأفتح عيونهم من التجهيل المتعمَّد والمؤسس والمدفوع من قبل الجيران والأعداء ومن يوصفون أنفسهم انهم أصدقاء!

Top