هوية الإجرام

هوية الإجرام     2017/09/05 17:20 عدد القراءات: 700




احمد الشيخ ماجد

حسنا، وأنا أتابع الإجرام الذي يجري في الروهينغيا تذكّرت الكثير من أصدقائنا اللادينيين والذين يدّعون الوصل بالليبرالية، استحضرت كل النقاشات التي دارت بيني وبينهم عن الدين وهل هو سبباً رئيسي في الخراب الحاصل، وهل ان داعش تتحرّك بأمر من القرآن مباشرةً، ام ان هناك ظروفًا سياسية وموضوعية أنتجت كل هذا الخراب، والخلل "المفاهيمي" الحاصل.

إعطاء الإجرام صبغة دينيّة او مذهبيَّة يؤدي بالضرورة إلى تفاقم هذا الإجرام، وعدم تشخيص العلاج فيه، وفهم ظروفه الزمنية والمكانية. ويبقى العنف يتكاثر في الأجيال، ونحن في صراع محموم عن الدين، وهل هو متسامح أم يدعو لإقصاء الآخر، وهنا تنشأ الأوهام والطبائع المتخيلة التي لا أصل لها في إطار الفكر والبحث عن الحقيقة، وليس لها مكانٍ في علم الإجتماع، وباقي العلوم المعنية بتتبع الظواهر بشتى تمظهراتها.

ماهو معروف عن البوذية انها تقدّم شريعة متسامحة، تُعطي حق الوجود لكل كائن سواء كان بشري أو غير بشري.. وبعد سيطرة الإعلام الغربي عُرف متأخرا عن المسيحيّة انها ديانة إنسانية، ليس فيها ماهو إقصائي او عنيف، وحين تصفع المسيحي يُقدم لك خده الآخر.. وبعد أحداث الربيع العربي وسيطرة الإسلام السياسي ودخول داعش على الخطّ، تفشى مفهوم سيطر على الإعلام وأنتشر بين العالم وهو ان الإسلام دين إرهابي، وبغض النظر عن النصوص الدينيّة والفقهية المفخخة التي يعج بها الموروث الإسلامي الديني، لكن ليست هنا تكمن المشكلة، فلا يجد الإقصاء الديني نفسه دون متجسد سياسي، ولا ينشأ دون ظروف إجتماعية وتضليل عميق يكون كفيل باظهاره بأفظع الصور، وأشد الحالات التي يختفي ورائها الوعي والعقل بآلاف الأميال.

ليست البوذية والمسيحية ديانات مسالمة ومتسامحة بالمطلق، وليست هوية الإجرام مقتصرة على الإسلام فقط، هذه مفاهيم من المفترض ان يكون الراكب في سفينة الوعي عابرا لها، ومنتهيا منها. خصوصاً من قرأ الإجتماع وأطلع على التجارب التأريخية التي مرّت بها البلدان المتقدّمة وغير المتقدّمة.

في بلادنا تتوزع الانقسامات ليكون الإجرام سنّيا، وفي قباله يكون شيعيا، ويتعمق الانقسام لينحصر الإجرام في التيارات التي تشظت من هذه المذاهب وخرجت منها كأحزاب سياسية أو دينيّة، وهذا برأيي أبتعاد عن الواقع وجفاءً للموضوعية، فلا تستطيع ان تُشخِّص الإجرام في هوية معيّنة لشريحة من الناس.. هناك ظروف موضوعيّة تتعملق وتكبر من فقاعة إلى أنفجار كبير لا يلحق عليه أحد!

وإذا عُدنا إلى نشأة المذاهب الإسلامية، وكيف تحوّلت على مر التأريخ، وكيف تغيّرت الصراعات، مثلما نشأ المذهب السنّي ضد الاعتزال، ومن ثمّ تحوّل "بفعل سياسي" وأتخذ هويّة بارزة وهو الاحتقان السني الشيعي!

ليست الأديان هي المشكلة العويصة التي يتآكل بها واقعنا، إنما التجسيد والتمثيل السياسي واستخدامها كهوية للوصول والهيمنة، كما في النظام المحاصصاتي الذي يعتمد الاصطفاف الطائفي في ديمومته وإستقرار مناصبه. فالأحزاب السياسية برمّتها تعتمد الشرعية الطائفية بالأساس، لا البناء والتقدّم على حساب الخصوصية العراقيّة للبلاد.

تريد ان تجعل الأديان متسامحة، يجب ان تُحل مسألة الدولة والهوية الوطنية وأمة الدولة، وليست النصوص والنظرية الدينيّة هي الأساس والسبب فيما نمر به.. بإمكاننا ان نجعل من الأديان وبعض نصوصها دافع رئيسي في عملية الإندماج وبناء الدولة الوطنيّة.

القضية بحاجة إلى سياسة وتفاهم وتقارب وحوار موسّع.. لا إلى مزيد من الانقسامات وهذا مجرم وهذا متسامح!

لا الإجرام سني ولا شيعي ولا مسلم ولا مسيحي ولا بوذي .. الإجرام مع ظروفه السياسية والدينية إجرام وفقط!

Top