الإرهاب المقاوم!

الإرهاب المقاوم     2017/08/26 21:10 عدد القراءات: 1449




احمد الشيخ ماجد

وزير الخارجيّة التركي أحمد أوغلو، زار العراق في ٣١ أغسطس ٢٠٠٩ . كانت زيارته مخصوصة لترطيب الأجواء بين بغداد ودمشق، والسعي لإيجاد وساطة لإرضاء الطرفين، ردّ عليه المالكي آنذاك بحزم : "أن بلاده ماضية في مطالبة الأمم المتحدة بتشكيل محكمة جنائية دولية.. وأن 90 بالمئة من الإرهابيين من مختلف الجنسيات العربية تسلّلوا من سوريا".

وقتها "إن تذكروا" كان المالكي بوجهه المقطب، وزخرفته اللفظية العنيفة، يخرج من على التلفاز، ويتحدّث عن خطر سوريا، وكيف ترسل الإرهاب، وأنه مَاض في مواجهتهم، وحماية أمن العراق، وكنا نصفق معه بالطبع ! ليس المالكي وحده، بل معظم أفراد حكومته، كانوا يشتمون الإرهاب السوري، ويريدون تخليصنا منه، نحن الفقراء، الذين كنا نذهب إلى المقابر بأجساد متفحمة، ويدور علينا الموت مع الهواء بسبب الإرهاب الذي "يتسلل من سوريا" حسب رأي الحاج المالكي وجماعته.

ومثل أي خطوة يقدم عليها المالكي، كان هناك فريق إعلامي كبير يعمل على تعبئة الناس للإطراء على المالكي وشتم سوريا وإرهابها القاسي على العراق وشعبه !

في السياسة؛ لا صداقة مستمرّة ولا عداوة تدوم، تغيّر هذا العداء، وأصبحت العلاقة جيّدة، لكن حطبها دولتنا وأراضينا، وتناسوا خرابنا وشبابنا المذبوحين من الوريد إلى الوريد على أيدي الإرهاب السوري! ففي ٢٢ حزيران ٢٠١٣ قال هادي العامري، وزير النقل في حكومة المالكي : "إذا كان ٣٠٠ شاب من حزب الله اللبناني، غيّروا معادلة في سوريا ، سينطلق آلاف الشباب العراقي الشيعي من هنا ليغيّر معادلة".

نعم، نحن كرماء جداً، اي والله، حتى في أرواح أولادنا وحرقة أمهاتهم، فإذا كان اللبنانيّون ٣٠٠ مقاتل، نحن نضحي بالآلاف، وخُدّام وممنونين، وماهو الضير من تقديم آلاف الشباب لحماية الأراضي السوريّة!

لك ان تتأمل في حجم التراجع الذي بدأ العراق فيه آنذاك، وزير دولة، يصرح ويقارن نفسه بجماعات مسلحة لبنانيّة غير رسميّة، ويقول : شباب شيعي!.

من هنا بدأ "التناوش" الطائفي. العامري يركّز على الشباب الشيعي، وقباله يركّز الطرف الآخر على الشباب السني، وهكذا دُمرت المنطقة.. المهم؛ كان العراق يمشي زاحفاً كالأطفال نحو بناء دولة محترمة مثل بني آدم، دولة وطنيّة تنهض به من ركام الأزمات.. لكن حكومة المالكي، أدخلت نفسها "گوّة" في الصراع الطائفي بسوريا، فبدأوا يرسلون مئات الشباب العراقيين لهناك، قبل ان يدخل الإرهاب الداعشي علينا.. كانت الموصل، وشمال صلاح الدين، والمناطق القريبة من بغداد مثل الطارمية وغيرهن، مرتعا للقاعدة والإرهابيين، يسرحون على رؤوس المدنيّين، ويذبحون بالجيش العراقي والشرطة، بينما كان المالكي منشغلاً بدعم الفصائل التي تذهب لسوريا.. كانت هذه الفصائل تدخل للخضراء بباجات محترمة، ولا يستطيع ان يتحدّث معهم ملك منزَّل من السماء، وان وقف بوجههم ضابط، صفعوه براجدي لا يقوم منه إلا وهو منقول في المُدن النائية الزاخرة بالخطر.. كيف لا، وهم المجاهدون المدافعون عن محور المقاومة؟! ألا تتذكرون قول المالكي :أنا من أسّس الحشد الشعبي؟. منهم هؤلاء الذاهبون لسوريا، الفارضين نفوذهم على بغداد قبل داعش.. لم يكن هناك تفكير في حماية حدود العراق، إنما يقتصر الدعم على سوريا، وبشار الأسد، الإرهابي السابق، الصديق المقاوم الحاضر!

قبل فترة ليست قصيرة صرّح المالكي : ان عمليات قادمون يا نينوى، تعني في وجهها الآخر، قادمون يا رقة، قادمون يا حلب، قادمون يا يمن!. ببساطة، هذا هو كلام المالكي، حاكم العراق لثمان سنوات، الرجل الذي يرفع دعوى دولية ضد سوريا لأنها داعمة للإرهاب في العراق، ومن ثمّ يدعم إرسال الشباب للقتال في سوريا.. ليش؟ لأن إيران أرادت كذلك، لأن رئيسنا السابق والمؤثر الآن، عقليته تابعة، لا تؤمن بالحدود أصلا، ولا تقيم لها أي اهتمام، طز بالحدود ما دامت حدود "الطائفة" محفوظة!. نعم الإرادة الإيرانية لو تحقّقت، سنتوجه بشبابنا إلى الرقّة، ومن ثمّ إلى اليمن، وسيكون هذا موقف أخلاقي عظيم، والشهيد فيه مع الحسين، لكن ان اتفقت الإرادة الإيرانية على غير ذلك.. ممكن ان يكون النظام السوري، نظاما شيطانيا، سينتهي بعد ٢٥ سنة!.  أو كما حدث مع قطر بعد الإتفاق الإيراني القطري، سكتنا عنهم، بعدما كانوا بنظرنا؛ الداعم الأول لـداعش!.. هكذا هي المعادلة، وهذه هي النخبة السياسيّة التي أفرزت داعش، وكل هذا الخراب، هي ذاتها، التي خسرت السنة والأكراد، وتدفع بشباب الشيعة إلى حمم الموت، والنيران.. لا يفكّر فيهم أحد إلا بمنصب ومذهب ونفوذ.

يُطلق الناشطون الكثير من الاسئلة حول ذهاب الشباب لسوريا، وكيف يذهبون فجأة، يقاتلون ويرجعون متشرفين بوسام الشهادة.. من المسؤول عنهم، ومن الذي يقدّم لهم شرعيّة التنقّل، والذهاب والرجوع.. ويتسائلون : هل الحكومة تعلم ام لا؟! هذا السؤال المضحك المبكي، الحكومة السابقة كانت تعلم، والحكومة الحالية ترفض المشاركة، لكنّها لا تستطيع منع الشباب، وحفظ أرواحهم من محرقة الشام، لأنها ببساطة، تخاف من بعض المتحكمين الذين يَسبحون بحمد إيران صباحاً ومساءً، وليس لهم أي مانع في تهديد الدولة والمجتمع العراقي في سبيل المصالح الإقليمية.. أنه انحطاط سياسي لم تشهده الدول إلا في أُطر الدمار والخراب!

Top