نحن احياء برغم المصائب!

احمد الشيخ ماجد     2017/12/09 13:36 عدد القراءات: 36147




‏بعد كل هذا الذي حدث.. وبعد كل هذه النتائج المؤلمة التي نراها، حين تشخّص حقيقة ما جرى ويجري، يقول لك البطران باستهزاء: نظرية مؤامرة، أو: انت مؤامراتي!

‏مع ان الوعي الذي نشاهده في من يحاول الدفاع عن إسرائيل، هو مؤامرة واضحة وجلية، تتمثّل في الانحطاط الأخلاقي في النظر للمغتصبين من قبل بعض التابعين للأنظمة العربيّة وجماعات البترودولار، والذين يعملون كجيوش إلكترونية هدفها حرف الأمة عن مسارها الحقيقي في طلب الوحدة والكرامة والاستقلال والدفاع عن الشعوب المظلومة. صوت الشعوب، كل الشعوب العربيّة ينادي: يسقط المحتلّين، بينما صوت المدفوعين يقول: نعم للسلام والتطبيع! وليست هذه التحوّلات العربية إلا صورة مفصلة عما حدث لنا.. نعم للتطبيع، مع "عصابة" قائمة على أساس ديني وعنصري، احتلت الأرض وسيطرت عليها بقوّة السلاح وإفشاء الدماء والإرهاب.. تخيل!

*

لك ان تُحلل المسألة الطائفية في هذا المشرق العربي، وستعرف من الذي دفع بها، وجعلها تتدفق من كهوف التأريخ على شكل جثث مقطوعة الرؤوس، ومفخخات في الأسواق تتفجر على النساء والأطفال بقوّة! دراسة هذه المسألة بكل تمظهراتها ليس فيها غير المزيد من الآلام والبكاء على هذا المصير المخزي للأمة العربيّة، ففي إطار الحرب على إسرائيل عام 2006 في لبنان، حرم النفس الطائفي الكثير من الحكّام العرب للنظر إلى هذه الحرب على إنها مكمّلة للصراع العربي الإسرائيلي، والوقوف مع المقاتل المظلوم الذي يريد الحريّة من المُحتل المغتصَب.. كان أحد الحكّام العرب يقول بما معناه: "نخشى من قيام هلال شيعي". بينما يقاتل اللبنانيّين ويستشهدون، ويقصفون، ويقتل أطفالهم، وهو يخشى من هلال شيعي، ولم يرى هذا إضافة إلى مخزون القوّة العربي الإسلامي في تجديد الصراع مع إسرائيل، ومحاولة الانتصار عليها.. كل هذه التحوّلات مدروسة ومدفوعة يا سادة، لو رأينا لها دون التضليل الإعلامي المؤسس، والتأثير والدعم "الغربي السياسي" الممنهج، وإحلال الأصوات الدينيّة المتطرّفة بدل المعتدلة، والتي تفهم ماهي قضية هذه الشعوب... ما تفسيرك إلى الخطاب الديني المنتشر في كل مكان، والذي يقول: "الشيعة أسوأ من إسرائيل". وما تفسيرك للقنوات المموّلة للطرفين ليعرضوا بضائعهم المذهبية في إثبات الحق، وتكفير الشعوب.. من يموّل كل هذا الانحطاط، وهل ان الأموال تصرف إلى وجه الله خالصة ونقية لأجل المظلومين؟!

*

أنظر إلى مسار الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 وما قبله الحصار، وما قبله الحرب على إيران، والتي كان قبلها الصراع العربي الإسرائيلي في أوضح تجلياته رغم الانكسارات والتراجع السياسي لهذه الأنظمة المستبدّة التي تبنّت الخطاب العربي في الدفاع عن القضية الفلسطينيّة.. كان العراق من طلائع المطالبين في تحرير فلسطين، والتي وصلت للقتال، وإرسال الجيوش إلى هناك، عسى ان يرجعوا بانتصار عربي مشهود، لكنّها فشلت للأسف، وبعدها دفع العراق ثمن هذا التحرّك! قاموا بتجويعه وتدميره، ومن ثمّ إنهاكه في الارهاب، وتحويله الى مكبا للنفايات، ومستودعا للعنف والتحريض الطائفي، كل هذه المصائب لها أسباب داخلية ومحركات سياسية واجتماعية ودينية، لكن حتماً لها أسباب خارجية! ففي السنوات الماضية ما كنت تشاهد إلا الدعاء على العراق من خلال الشاشات وتدمير الكفرة فيه، حتى يتسابق إلينا الجهاديون، وتكون إسرائيل نسيا منسيا في هذا الشرق المنهك والمثخن بالجراح!

*

تدمير العراق وسوريا، وتحييد مصر، وإنهاك اليمن، وتدمير ليبيا، وإشعال الحريق في كل العواصم التي كانت فيها أصوات تُطالب بتحرير الشعوب المغتصَبة.. ورمي الحطب على الصراع بين هذه الشعوب، والذي يأخذ أشكالا مذهبية ودينية وقبلية، وهو الذي يطول، ما دامت هذه الشعوب، سبقتها سنوات من التعذيب والحرمان من قبل حكامها المستبدين والذين لا يفهمون من السياسة إلا تضخّم السُلطة وتمديدها إلى أكثر وقت ممكن على حساب تقدّم الشعوب وعيشها بكرامة.. فماذا يبقى بها يا ترى؟! أليس موت العقول والوعي هو المقبول والمنطقي في هذا الواقع المضني؟! لكنّها بقيت حيّة يا جماعة.. ستقول لي: كيف؟ أنظر إلى هذه الشعوب بعد خطاب ترامب وتحويل القدس إلى عاصمة لإسرائيل، وأنظر إلى العراق خاصّة، والذي يُعاني منذ أربعين عام.. سلّم رئيس الوزراء مذكّرة احتجاج على ما فعله ترامب، وتظاهرات في كل محافظات العراق بعد صلوات الجمعة، وحضور السفير الفلسطيني إلى هذه الصلوات، وإقامة الصلاة فيها مع الشيعة رغما على الاصطفاف الطائفي والتدمير المتعمَّد، والحصار الدولي القذر فيما سبق، رغما على الحروب الأهلية، رغما على احتلال داعش، ما زلنا أخوة مع العرب، نشعر بالسياط وهي تنزل على ظهورهم، ونريد لنا الاستقلال كما نريده لهم.. ما زال العراق يمثّل القوّة في هذه المنطقة، يمثل نبض مستمر في عداء الصهيونية.. ما زال العراق عربياً عصي على سلخ ثقافته ودوره المحوري في الشرق الأوسط ما دام صوت المظلومين هنا مع المظلومين هناك، وينادي بأعلى صوته: يسقط قتلة الأطفال في كل زمان ومكان!

Top