إعلان فخم في منطقة فخمة

إعلان فخم في منطقة فخمة     2017/10/28 14:03 عدد القراءات: 2121




حسين العطية

أقسم أني لم اتنفس اطيب من هذا الهواء من قبل، بل لم يتنفس مثله المرحومان أبي وجدي. أقسم بكل قدسية منخاريَّ الذين أفتحهما كمنخاري حصان خرج من حلبة الريسيز، انه الهواء الاخف والأنقى والأبرد في البلاد.

نسيم خالص لا تشوبه العوادم التي تنفستها في مناطق مثل الشعب والمعامل وحي الفرات، أو في العشوائيات الممتدة على طول خاصرة بغداد. مناطق المواطنين من الدرجة الألف تلك، التي لا يعلم درجة كرهي لها الا الله.

كان هواء طبقاً للمعادلة الكيميائية التي درستها في المتوسطة، تذكرتُ حينها درس الكيمياء الذي لم افهم معناه، وأستاذ "سنبل". وشعرتُ للحظة بأنني شخص نظيف. قلتُ؛ أخيراً، أنا بمنطقة لن أتعرق فيها، ولا احسب أن آباط قاطنيها تتعرق أيضاً.

هنا، حيث يتقعر نهر دجلة فيكاد يدور على نفسه في منطقة الجادرية، وسط بغداد، وحيث تتشابك أشجار المنازل ببعضها البعض في مشهدٍ أمازوني، توجهت السيارة بِنَا نحو مشرق الشمس، فانعكست أشعتها على أسفلت الشارع كما لو انها تسبح على ظهر نهر، لتكشف فجأة عن "اعلان الإعلانات"، وقنبلة الذكاء الاعلامي، آخر ما توصلت اليه الاحزاب من أساليب ركوب الاعناق.

إن الأسوأ من ركوب الظهر، لو تدرون، هو ركوب العنق، ولم تسجل الحياة لدابة أو مطية أن حملت راكباً على عنقها، كما ويفضل أن يضع الراكب جسده في مكان بعيد عن العنق، حتى لا تفقد المطية توازنها.

أشعرني اعلان الإعلانات هذا، والذي كان حديثا نبوياً يقول؛ (إن الله إذا أحب عبداً ابتلاه)، بحزن عميق تجاه جدتي، بمسبحتها الطويلة، بتدينها، وعطشها الدائم لسماع روايةٍ عن آل البيت. فكرتُ إن كانت ستعرف معنى الحديث، وكيف استخدمه الحزب الاسلامي بإعلانه، قبل أن يقاطعني توقف السيارة لتأمين خروج مسؤول يسكن في المنطقة من منزله. انها ساعة الدوام، وهو مسؤول مثل باقي المسؤولين، يوقف السير ليغادر منزله، ومثلهم، يوقف حياتنا فتمشي حياته.

رافقني اعلان الإعلانات حتى فراشي، رأيته، يومها، يسخر مني على كل اللوحات المزروعة في الشارع. وأطبق بعدها الحزب فكيه على قطعة كبيرة من تفكيري، كنت اظنها موطن الذكاء فيَّ، فابتلعها دون ان يغص بخشونتها.

بحثت عمَّن يقفون وراء الإعلان، ومن سمح لهم أن يروننا بهذا الغباء، من ألبسنا خرق المهرجين في حدائقهم، من باعهم قدرتنا على فهم الحديث النبوي مقابل رغبتنا بحسن المآل؟!

عموماً، فإن نسبة الحرفة في الدعايات الحزبية، والاعلانات، وخصوصاً الاسلامية منها، تبدو كنسبة الذهب في الروث، ولا يعول على وصولها كاملة للمتلقي العادي، فضلاً عن الخبير، كما ان جزءاً كبيراً منها يعمل بعكس المراد، فينفر منه المتلقي في أحسن الأحوال. لكن اعلان الإعلانات كان عملاً مختلفاً، عملاً خلاقا يريد منك أن تقرأ أسم الرسول فتؤمن بمن طبع اللوحة، على انه رسوله هو، ومبعوثَ ربه هو، أما أنت ففقرك كفيل بإدخالك الجنة من أوسع أبوابها.

كان يقول وبلغة فاضحة؛ مادامت الحياة لن تمشي الا بطبقة فقيرة واُخرى تمتص ريقها، وتزيدُها فقراً، فاختر كرسيك بين العباد المبتلين من الطبقة الثانية.

آلمني أني وحيد ومنبوذ وغبي أمام اعلان لم تتجاوز مساحته مترين مربعين، كان يقف على ثلاثة أعمدة حديدية، وتقف خلفه عشرات الاحزاب التي لا تراني غير عبد مبتلى، بدت المسافة ما بيننا اصبعاً بنفسجياً واحداً لا أكثر، لكن الفارق أكبر من أن يقلصه حديث نبوي.

في المنطقة الفخمة مجلس إسلامي فخم، ومقرات فخمة، وفوج رئاسي فخم هو الآخر، لحماية فخامة الرئيس، وفخامة المسؤول، والقيادي. فضلاً عن لوحة إعلانات تذكرنا جميعاً بصورتنا لدى الحزب والمجلس والتيار والحركة.

وفِي بريد الفيسبوك، شريط فيديو لطفل مصاب بالسرطان من أهالي منطقة المعامل، تلقفه "الخبيث" بسبب قرب عمليات الطمر غير المسؤول -التي يمارسها أناس يحتكرون الهواء المطابق للمعادلة الكيميائية-، من مدرسته، طلب ذووه أن أوصل صوته... وقالوا "بعلاقاتك".

أما في الحقيقة، فإني لا أملك إِلَّا أن أغلق نافذة المحادثة بوجهه، لأنني لا املك لوحة اعلانات أعلق فيها فقدانه شعرَه، وعظامه، ليدركوه ورفقاءه من انتشار المرض. ولان الله "إذا أحب عبداً ابتلاه".

Top