من الجنوب الذي يدير نفسه بنفسه

من الجنوب الذي يدير نفسه بنف     2017/10/24 16:08 عدد القراءات: 1194




حسين العطية

(1)

نتوق جميعاً لليوم الذي تختفي فيه الدولة بشكلٍ إيجابي. تغادر فيه المشهد بكل قواها، لتقف خلف الستار وهي تؤدي مهامها بهذا المستوى من النبل، والمسؤولية. او في الحقيقة؛ لليوم الذي لا يخرج فيه المسؤول ويبدي اعجابه بما قدمه لهذه المنطقة او تلك، مما يصنف على انه ابسط حقوقها، والحمد لله فإنه أمر قد تحقق في عدد من مناطق الجنوب العراقي.

ففي المدن التي تعتمد على نفسها بدءاً بحل خلافاتها عشائرياً، وليس انتهاءً بتبرع الأهالي بكتابة لوحة "انتبه.. الشارع محفور"، لكسلٍ أصاب البلدية، يكاد الاختفاء يكون متحققاً، ويمكن القول ان المدينة هذه "تدير نفسها بنفسها".

(2)

في الشطرة، شمالي محافظة ذي قار، "گراج" صغير، يكاد لا يتسع 100 سيارة، يفتقر لكل مواصفات الكراجات، لكنه يدر ما يزيد عن 600 ألف دينار يومياً، اي 216 مليون سنوياً تذهب لوزارة النقل، ويبقى الكراج والركاب على حالهم. لا الوزارة رأفت بكرامة المواطن ولا الحكومة المحلية طالبت بان تكون وارداتها لنفسها، في ظل غياب حصتها من الموازنة لمدة سنتين حتى الان، واستغلتها في شراء كرامتها. وكرامة مواطنيها.

(3)

وبشكل أوسع، يكاد طريق بغداد- ناصرية يحمل لونين، الأسود القادم من بغداد، والابيض الذاهب نحوها. ففي السيارة -التي غادرت من ذات الكراج-، كانت اللهجة مالحة وحميمية، وهي تتلفظ الكاف المفتوحة في (رحنالكَم، وشفناكَم)، لأشخاص يقطعون مئات الكيلومترات في سبيل الالتحاق بفصائل الحشد الشعبي، اذ يحمل الشارع نفسه الذي ينقل أموال الكراج نحو بغداد، جباه المقاتلين وأحلامهم، ويرجعهم على "السايد" الأسود جثثاً في صناديق خشب.

يقول السائق: ما شفنا من بغداد غير الشر. ويزيد سرعته باتجاهها.

(4)

منذ سنين وأهل ذي قار الطيبون يحملون الذهب، ويأكلون "سميسم الله". يكتفون باسم علي والحسين حتى وان لبسه الفاسد. يعيدون انتخاب الوجوه ذاتها لأنها شيعية لا أكثر، يحبون البساطة مثل علي، ويُجندون ايدولوجياً لخدمة "الإسلاميات السياسية"، والاحزاب التي عجزت ان توفر مرآباً بحجم منزل مسؤول ربما.

وبالحديث عن المسؤولين، وبساطة الطينة الجنوبية، فإن مسؤولاً سابقاً فيها، كان قد وعد بان تكون ذي قار مثل دبي، وقال في مناسبة اخرى انه سيجعل الماء "يزرِّج تزرِّج"، لكنه رتب أولوياته بعكس ذلك، وقفز من المحافظة الى البرلمان. ليكون وفياً لهفوته، عندما قال "احنا من حضن حسنة"، بدل "من حسن حظنا"، ويثبت انه "ابن حسنة" هفوةً وفعلاً.

(5)

لا تمتلك المحافظة النزعة الفيدرالية كالبصرة مثلاً، ولا تمتلك القوة الكافية للمطالبة بإنصافها. يزور مسؤولوها بغداد وكأنهم خدماً، يجلسون الى جانب رب بغداد كما الأَمة، ويستحون يقولون له "اعطِنا مستحقاتنا، لسنا منطقة ساخنة، ونريد بناء كراج لا أكثر".

(6)

تركض القوات الأمنية هناك خلف علب البيرة وقناني الويسكي الرديئة، تلقي القبض على من يحمل شريط "فاليوم"، تحكم المتاجر بحبوب الهلوسة ألف عام، وتترك الخلفاء المتخمين بمبنى المحافظة.

أحد أبنائها كتب ان "اهل الشرب قدموا تضحية بالناصرية أكثر من حزب الدعوة"، تضحك من نفسك، كيف يمكن ان تختصر كل هذي الأوجاع بجملة مثل هذه؟

(7)

في الطريق كانت السيارة مسرعة، وقد مرت بجانب أخرى شغل عدد من الاطفال مقاعدها الخلفية، لوحوا عند اقترابنا منهم، ألقوا السلام من خلف الزجاج، شيء ما منعني من رد التحية، وآخر أنَّبني على طول المسافة لأَنِّي لم افعل شيئاً لنقاء طفولتهم.

اطفال الجنوب الذي يؤدي واجباته بنفسه، ويوزع مقدراته وابناءه كأقراص الخبز على البلاد، ويكتب أهله "انتبه.. الشارع محفور"، لان "الدولة" عجزت ان تكتب قطعة مماثلة في الشارع العام، لوحوا من خلف زجاج السيارة مرتين، وها أنا أرد التحية، عسى أن تصل.

Top