كافتيريا البرلمان

حسين العطية     2017/11/30 13:56 عدد القراءات: 4922




حسين العطية

زرت منتصف العام 2017 مبنى البرلمان العراقي في المنطقة الخضراء للقاء أحد النواب، كانت زيارة واحدة فقط، لا علاقة لها بالسياسة، ولم تتجاوز كونها مسعى فردياً قدمتُ من خلاله، رفقة صديق لي، شكوى، لسنا بصدد الحديث عنها، لكني أستطيع القول إنها ذهبت ادراج الرياح، برغم التواضع والاستعداد اللذين ابداهما النائب للمساعدة، مشكوراً.

عبرت أربع نقاط تفتيش قبل أن أصل مبنى البرلمان عبر البوابة القريبة من حيدر دبل، حيث تفحصني رجال الأمن العرب، ثم الكرد، بحذر، وشمتني الكلاب الأجنبية بحذر أكبر، ليسمح لي بعدها بالدخول.

كانت الدائرة الإعلامية هي أول ما لفت انتباهي، إذ توسطت قاعات اللجان النيابية، والى جانبها درج بعرض 3 أمتار، اعتليناه نبحث عن صاحبنا النائب. لم نكن نعرف وجهه، دُبّر لقاؤنا به عبر صديق بالتلفون، سألنا عن اسمه، قالوا: "يمكن بالكافتيريا". مع إيماءة دلت على مكان الكافتيريا التي كانت على الجهة اليسرى من وقوفنا.

خلال لحظات، استعدت كل ما سمعته عن الكافتيريا "سيئة السمعة" هذه، اتهامات النواب، مناكفاتهم، حديثهم عنها كما لو كانت مكانا مشبوهاً، والعياذ بالله.

ها هو المطبخ، قلتُ، ولكل سلطة مطبخها الخاص.

لم يكن يعنيني مطبخ الكافتيريا أكثر من المكان الذي تحضر فيه الطبخة السياسية قبل أن يدخل النواب قاعة البرلمان، فيتم التصويت على كل ما يخص قوانيننا بالهمز واللمز، وأحيانا بدونهما.

في هذا المطبخ بالذات، يمكنك أن تشم روائح مختلفة تنبعث من الكراسي، والطاولات، أو من مجرد التفكير بما سمعته عن الكافتيريا، لكن بالتأكيد، ليس هناك رائحة لطعام تغريك للدخول.

كان بإمكان القريبين من أن يشموا اتفاق أو خصومة، او مؤامرة ربما، مثلما نشم نحن رائحة الاكل تنبعث من مطابخنا.

ففي مطعم البرلمان هذا، حيث يؤكد نواب أن اغلب الصفقات السياسية والاتفاقات تحاك، كان النائب السابق حيدر المُلا قد أفسد استجواب وزير التجارة، وأغرى نوابا بالمال والمقاولات، وفق ما اتهمته النائبة عالية نصيف، في وقت سابق.

وبعدها، اجتمع النواب فيه أيضاً "للتآمر" على استجواب وزير الكهرباء مرة أخرى.

وفيه أيضاً، شوهدت صورة السيدة كومشنات أمام من أطلق عليه مؤخراً "العراب"، باسمي الوجه، كما لو أن من يملأ الفضائيات تخويناً واتهامات، ويجر الشارع خلفه لتشنجات أشبه ما تكون بتشنجات من تلد بكرها، شخصان غيرهما، ليجسدا أن "لا ثابت في السياسة"، و "لا أخلاق"، أيضاً.

كانت صورة ابتسامة، تشعر من يشاهدها بالحزن، والحزن فقط، لا أكثر.

ولذا، أحزنني، وأنا واقف أمام كافتيريا البرلمان، بُعد الآخرين عنها. الآخرون الذين تحرك "السيدة كعكة" عصبيتهم ضد مذهب بكامله، أو قومية بكل من فيها، ثم تجلس عقب ذلك أمام من يمثل هذا المكون، جلسة مَن ملك الناس تحت إبطيه، لتشاطره استكانة الشاي، والاتفاقات.

للحظة، شعرت أن الأشياء الحقيقية هي كل ما يجري في الكافتيريا، بدءاً بالحب، وليس انتهاءً بالسياسة. وتمنيت لو تنقل الجلسات الى الكافتيريا، كمكان محبب، وفأله حسن بين الكتل السياسية التي جربت الاتفاق فيه من قبل، والتي لم تجرب. فربما كانت مسألة الخصومات والتقاطعات ناتجة عن الجوع، والعطش، ليس إلا.

Top