زمن مُقدّم هاشم

زمن مقدم هاشم     2017/07/26 18:24 عدد القراءات: 1902




ولماذا لا يقفز هو الآخر فيصيد ظبية سمينة مثلما يفعل الآخرون ليل نهار؟

الظرف الموضوعي الذي ظهر فيه (مُقدّم هاشم)، يشبه تماماً كل القنص الذي يجري للفُرص، سواء في السياسة (أمّ الخرائب)، أو في المناصب (أم الخبائث)، أو في تحيّن فرجات الاغتناء.

وبما أن كل العراقيين يعرفونه، ويعرفون بالضبط ما يعنيه وكيف ظهر، فلأصدقائنا العرب من الذين لا يعرفون (مُقّدم هاشم)، أوُجز قصّته: الميديا الحديثة جعلت بالإمكان صناعة نجومٍ مُجتمعيين بوسائلَ سريعة وغير تقليدية ورخيصة التكاليف، وبما أن معظم العراقيين يتابعون تطوّرات الحرب على الإرهاب من نافذة السوشيال ميديا، فقد ظهر لهم جليّاً أن هناك قادة مجهولين وأبطالاً حقيقيين على الأرض، هم غير من تنقل عنهم وسائل الإعلام في العادة. شجعان ممكن أن يواجهوا عربة مفخخة تتجه بسرعة نحو تجمّعاتهم، فيعاجلها شاب أسمر فينجح في إيقافها وكفّ أذاها قبل أن تصل الى رفاقه. هذا الإعجاب بأفعال النماذج الحقيقية للبطولة (الذين بدأوا بالفعل وظهروا من خلال الفعل بلا أيّ قول ولا نيّة للشهرة)، أغرى هذا مجموعة من الأفّاقين أن يقلّدوهم طمعاً في الشهرة، ودفعهم أن يصطنعوا تمثيليات سمجة يصّورها الموبايل كي تصنع منهم أبطالاً.

أبطال الغفلة والمُجتمع المُصاب بالسُفه في أشدّ خاصِراته ألماً.

فكان منهم؛ مقدّم هاشم، وحسن بلايس، والسيّد الباقري، وبعض (قادة الحشد الشعبي) المزعومين، وآخرون غيرهم كثر.

العلّة تكمن في أن هؤلاء ينجحون الى حدّ ما) في خداع مسؤولين، حكوميين، رسميين، ضباطاً، أو غيرهم. فيلتقطون معهم صوراً لأغراض النشر، تنجح لاحقاً في تضليل المزيد من الرأي العام (السوشيال ميديوي تحديداً)، بما سيجعلهم ينتقلون من حالة (أفّاقين على السوشيال ميديا) الى حالة (أشخاص مُختلف بشأنهم وشأن حقيقتهم). يعني بعبارة أخرى، هم يستهدفون القلّة التي يمكن خداعها، بصرف النظر عن الكثرة التي ستكتشف زيفهم.

بل إن مُقدّم هاشم نجح في تهيئة عربات عسكرية، وساحة حرب عسكرية، وبضعة مرافقين يرتدون أزياء عسكرية ويحملون أسلحة حقيقية. إلّا أنّ ضعف كتابة السيناريو هو الذي فضح عمله الدرامي.

يستوقدون ناراً للزيف، فتجلب المزيد من حطب الزيف، فتصبح نار الزيف أكبر.

رغم الانحطاط العقلي الذي يبدو عليه هؤلاء، أشكالهم، تعابيرهم، مفرداتهم (كان السيد الباقري يمثّل دور معمم، لكنه لا يستطيع ترتيب ثلاث كلمات متتابعات دون عثرة نحوية أو لغوية)، إلّا أنهم ربما يكونون قد أدركوا قبل غيرهم ما الذي يريده سوق المزاج العراقي بالتحديد.

عرفوا (مثل أي تاجر شاطر) أن السوق مخصص اليوم للنصّابين. لم يعد هناك من فرجة لبضاعة حقيقية. وبالضرورة كانت سيادة هذا الانطباع العام تدين بالريادة الى السياسيين قبلهم. اصحاب السلطة أرسوا (قبل هؤلاء النصّابين) قواعد اللعبة عند مرتبة الخديعة وأطلقوها، وعملوا على تجهيل الناس، ودفعهم الى أكثر الممارسات الدينية قشريةً. فالهدف هو القشور. فلا أحد يريد مواطناً (وبالتالي ناخباً) له شيء من البصيرة.

أي صاحب بصر سيكتشف بسهولة زيف ما يطرحه نصّابو المناخ السياسي العراقي، وبالضرورة سيكتشف زيف نصّابي السوشيال ميديا، لكنّه زمن أصحاب العَمى، أفكار العَمى، باختصار هو زمن مُقدّم هاشم وليس غيره.

ملاحظة أخيرة: (مُقدّم هاشم) هو منتسب فِعلي في إحدى فصائل الحشد الشعبي، ولم يتعرّض الى الآن لأيّ محاسبة عن فيديواته المُلفّقة، التي ستؤدي في حصيلتها العامّة والنهائية الى نتيجتين؛ الأولى: التشكيك في كل تصوير (حتى الحقيقي) الذي يظهر شجاعة الشُجعان الحقيقيين. والثانية: خلق شخصية كوميدية تستخدم مثلاً لإهانة ضبّاط الحشد الحقيقيين والمُقاتلين الواقعيين على الأرض.

Top