بحث فقير عن التميّز!

بحث فقير عن التميز     2017/07/05 13:14 عدد القراءات: 1623




في محطّة (ميدي)، جنوب بروكسل ركبتُ القِطار الخطأ. وكنت أحمل تذكرة صحيحة. وبدلاً من النزول في محطّة (نورد) الشمالية، احتجزتني (صَفنة) في مقعدي بالقطار لغاية أن وصل بي الى المطار.  المشرف على التذاكر، قال لي: لا مشكلة، ابق حيث أنت وسيعود ذات القطار بك جنوباً مروراً بمحطّة(نورد)بعد ربع ساعة، لكن لا تنس أن تنزل هناك.

خلت عربة القطار من ركّابه قليلي العدد أصلاً، باستثناء اثنين من الفتيان جلسا علي يميني بمبعُدة بضعة مقاعد. وبدأت رحلة العودة دون أن يصعد أحد الى تلك العربة. وما إن تحرّك القطار حتى شرع الشابان العشرينيان في تبادل قُبلات حميمية دون اكتراث لوجودي. القبلات تحوّلت بعد دقائق الى مداعبات جنسية من خلف الملابس، ثم تفاقم الأمر قليلاً. ولم يوقفهم سوى قدوم المشرف على التذاكر مرّة ثانية الى العربة. ومرّ من جانبي وذكّرني بأن محطة نورد ستكون بعد المحطّة التالية وعليّ ألّا أفوّتها. ثمّ مرّ بهما فأظهرا تذكرتيهما، وما إن خرج المشرف حتى عادا الى انتشائهما ببعضهما، وبمداعبة جريئة هذه المرّة، ثم انتهت الى ممارسة كاملة.

وَصلنا الى(نورد) وهي وجهتي، فنزلا قبلي ومرّا بي. لا أخفيكم كنت مُشمئزاً قليلاً من فكرة التواجد في مكان واحد مع اثنين من المِثليين (ماخذين راحتهم!)، مع أنني أعلم جيّداً الّا حق لي حتى في إظهار هذا الاشمئزاز، فقد يكون الأمر غير قانوني لو أنهما شعرا بالفعل بمشاعر مُعادية من جانبي.

الأمر لا يعنيني، لكنّي كإنسان يحمل معه منظومة عريضة من الإرث المستنكر للمِثلية، لم أتمكن من الادعاء بأن الأمر لا يعنيني، وقد كنت متضايقاً لسبب ما أثناء مداعبتهم ثم ممارستهم المكشوفة أمامي. على أنني أعرف، أنه لو كان هناك أطفال في عربة القطار تلك، والحال ذلك منهما، فمن المُمكن جدّاً أن يتعرّضا الى شكوى قانونية ستؤدي بهما الى السجن. فالقوانين هناك حريصة جداً ألّا يحدث للأطفال (قسر)على مشاهدة أفعال لم يختاروا أن يشاهدونها. ومن وجهة أخرى، هذا يعني أن القوانين التي تمنع ممارسة أفعال جنسية واضحة أمام الأطفال، لم تردع هذين الشابّين عن إتيان الأفعال ذاتها أمامي. طيب، ما السبب؟

لقد افترضا حين أخذا راحتيهما على الآخر، بأنني شخص بالغ لن يتدخل ولن يبدي ما ينقض خصوصيتهما، ولن يكون فعلهما اعتداءً على حُرّيتي في مكان عام وهو القطار. أي إنني سأتفهم!، ولن أرفع شكوى بحقّهم.

المِثلية هنا عندهما، انتقلت من كونها اختياراً مُختلفاً عن السائد للشريك الجنسي، لتدخل الى حيّز السلوك في الأماكن العامّة. هنا، اعتملت المِثلية لترتقي أن تكون عندهما(قضية)، أو(رسالة) يشعُر بضغطِها صاحبها، ويقع تحت ميل قوي لإظهارها الى الآخرين.

لم يكن ما أتاه الشابين في القِطار أمراً (مقبولاً) حتى بالمعايير الأوروبية، ولو كان هناك بضعة أفراد آخرين من ذوي الشعر الأشقر جلوساً في العربة، ماكانا ليُحدثا ما كانا فيه. لكن مظهري (الشرق أوسطي) أعطاهم رسالتين؛ الأولى إنني (غريب) لن أدسّ أنفي، ولن أستخدم القانون الذي يَعُد ذلك تجاوز اًعلى حرّيات المتواجدين. والثاني إنني أنتمي الى ثقافة تعدّ ما هم فيه من أكبر الكبائر. هذين السببين استثارا فيهما (قضية) المِثلية، وليس الرغبة الجنسية المحضة حتى وان كانت (مُنحرفة) بمقاييس عامة. كان وجودي بمثابة مغناطيس كبير يجذبهم ويدعوهم الى إظهار مثليتهم بأكثر صورة رقيعة، ولسان حالهم يقول: نعم!، نحن مِثليون، فهل ستعترض؟، أنت القادم من منطقة تقطع رؤوس المثِليين؟

بالتأكيد لن أعترض، لكنني اعرف تماماً أن هذا السلوك ليس سلوكاً مِثلياً نمطيّاً، لأن ملايين المثليين يعيشون حياة طبيعية في مختلف أنحاء العالم، دون أن يعلّقوا لافتة على رقابهم تقول :نحن مِثليون!، ولأن من نطلق عليهم اصطلاحاً بـ(الأسوياء)، أو(الطبيعيين) في سلوكهم الجنسي، لا يمكن أن يفعلوا ذلك في الأماكن العامّة.

هذان الشابّان وأمثالهم من أصحاب الميول القوية الى الإفصاح عن توجههم الجنسي في الأماكن العامة ليسوا مِثليين، إنّهم قطعاً مَرضى نفسيين باحثين عن وسيلة مُنحرفة للتميّزً. لأن المِثلية ليست مرضاً نفسياً.

Top