عن "بيتر بلاو"، واللاخطّية ومحمود الحسن!

عن بيتر بلاو واللاخطية ومحمو     2017/11/13 19:20 عدد القراءات: 1224




لو أن السيّدة الوالدة حفظها الله لَكم، أعدّت الإفطار للعائلة، فإنها ستحسب لكل واحد حصّته، وستزيدها وفقاً لعددكم. لكن، لو حدث وأن كان لديكم "خطّار" على الفطور، فستكون الكمّيات أكبر، والنوعيات أكثر. رغم أن الخطّار الضيف ليس سوى شخص واحد. لكن الزيادة في المائدة بالتأكيد ستكفي لخمسة أشخاص إضافيين! ما السبب؟ هل لأن السيدة الأم لا تعرف عدد المُضافين للمائدة؟، لا، ولكنّها ستهيئ المائدة وفقاً لاعتبارات لا علاقة لها مباشرة بعدد الضيوف، ومنها اعتبارات محاولة تكريم الضيف، أو التّباهي، أو الإفراط في الحفاوة، أو"العِيب"، المهم أن الزيادة في المائدة كانت بسبب آخر غير إضافة شخص إليها.

في الحالة الأولى، تكون الكمّية متناسبة مع العدد بشكّل خطّيLinear، وفي الحالة الثانية ستكون الكمّية خاضعة لعلاقة لاخطّيةNon-linear . يعني، لن نتوقع رياضياً حجمها أبداً وستكون موكلة لمزاج السيّدة الوالدة.

عالِم الاجتماع الأميركي بيتر بلاو Peter Blau  (1918-2002)،درس هذا النوع من التغيير ضمن فرع من العلاقات يتعلّق بمفهومي "الاستغلال" و"القَهر". وأوّل شرط وضعه كي يكون الاستغلال استغلالا، هو أن تكون القيم الاجتماعية لتلك المجموعة البشرية تعدّه استغلالاً. أمّا "القهر"، فهو الاستغلال مع انعدام تام لأيّ نوع من العوائد أو الفوائد.

يعني، على سبيل المثال، عندما يأتي زائر إيراني الى العراق لوحده وليس من ضمن قافلة (لأنّ القوافل تبيت في الفنادق)، أمّا هذا المفرد فإنه يبيت في الحسينيات والمواكب وأحياناً في بيوت المواطنين، فهو يعلم جيّداً أن كَرَم العراقيين لن يتركه يبيت في الشارع عارياً. ولهذا، فهو يأتي في العادة بأقلّ قدر ممكن من المال. وستتكفل المواكب بإطعامه، وهو قد تعمّد القدوم لوحده لأنّه لا يرغب بدفع المال.

العراقيون لا يرون في الأمر استغلالا، إنما يفعلون هذا أملاً أن يُثابوا في الحياة الأخرى. بينما يعرف الزائر المجّاني (أبو البلاش) بكل تأكيد انّه يستغل العراقيين (لأن بلده لا يقدّم هذه الخدمات له مجاناً أبداً)، وبهذا فإن شرط بيتر بلاو يتحقق من وجهة نظر الزائر الإيراني لكنّه لا يتحقق من وجهة نظر العراقيين.

يقول بيتر بلاو؛ إن العلاقة بين المُستغِل(الفاعل)، والمُستغَل (الواقع عليه أثر الفعل)إنما هي علاقة خَطّية، لكن، هناك مُعتقدات وظروف لا يمكن قياسها عقلياً يمكن أن تحوَّل العلاقة من خَطّية الى(لا خطّية). مِثال ذلك، أن الكَرَم العراقي مع الزائرين الأجانب، لا يُماثله كَرَم مُفترض يعاني منه 23%من السكان الواقعين تحت خط الفقر. لماذا؟، لأن وجهة النظر الغالبة هي أن زوّار المراقد المقدّسة يستحقون الخدمة (رغم شبهة وجود استغلال من جانبهم، كما في المثال الإيراني)، وهم أولى بهذه الخِدمة، بينما على الفقراء المَحليين أن ينتظروا من مناسبة الى أخرى حتى يتذوّقوا طعم الكَرَم و اللحم.

هنا نعود الى الظروف التي لا يمكن قياسها عقلياً ونسميها ظروفاً (لا عقلانية). وهي وحدها المسؤولة عن دفع الإنسان للاشتغال بالضّد من مصلحة نفسه، أو مصلحة جماعته.

اللاعقلانية وحدها هي التي تفعل ذلك. وهي وحدها من تُقنع الفرد أن ما يفعله هو الأفضل له ولجماعته.

العقلانية على سبيل المثال، تخبرنا بأن صورة القاضي محمود الحسن وهو يوزّع على الناخبين سندات أراضي، ويُوهمهم بالتمليك فيما لو انتخبوه، هذه الصورة تستحق أن يستذكرها أي ناخب لحظة قراره فيما سيأتي من الانتخابات. ولو كان الناخب (عقلانياً) قليلاً أكثر من المعدّل، فإنه سيربط بين صورة النائب المُخادع وبين رئيس الكتلة التي ستقبل أن يكون محمود الحسن عضواً في قائمتها الانتخابية. لكن، هل هذا هو ما سيحصل؟

ولو حصل وأن أعيد انتخاب النائب الفاسد (رغم الصورة الواضحة التي ظهر فيها محاولاً رشوة الناخبين) فإن من يمنح صوته له في هذه العملية، إنما يكون قد خرج عن العلاقة الخطّية التي تكلم عنها بيتر بلاو، وصار يخضع لقوانين (لا خَطّية) حصيلتها الوحيدة أن الناخب يعمل بالضّد المباشر من مصلحته الشخصية.

لكن لماذا ينتخب أي إنسان عاقل، شخصاً مثل محمد الحسن؟ على الأغلب إنّه سينتخبه ضمن قائمة. وعلى الأغلب أنه سينتخبه لاعتبارات لا علاقة لها بحرّية الاختيار والقناعة، بل ستكون قناعة فاسدة أيّاً كان باعثها.

لهذا، حينما تؤشر قائمة على أنّها قائمة طائفية، انتخبها ناخبوها لأسباب ودوافع طائفية، فهي أقل الشرور مما لو انتخبوها بناء ً على أسباب أخرى غير عقلانية. والمهم؛ أن الطائفية (لو كانت باعثاً ومحرّكاً) للانتخاب، فهي بالضرورة ستنتج برلماناً يعمل بالضّد من مصلحة ناخبيه، مثلما هو حاصل الآن.

Top