قيس قاسم العجرش

علي بادي،...والبادي نصّاب!.

علي باديوالبادي نصاب     2017/10/14 13:55 عدد القراءات: 1023




في صباحٍ مُشمِس من صباحاتِ آذار من عام 2000 ، التحقتُ بوحدَتي العسكريّة الجديدة. ولحُسن حَظّي كانت عبارة عن مبنى إداري يقع وسَط الكرّادة ببغداد، و تُدار مِنه رواتب الجنود وحسابات الجيش. المَبنى كان متهرّئاً لكنّه وحدة عسكرية ترفع العَلَم ويُفرض داخلها ارتداء(البيريه)، وأداء التحيّة العسكرية وفق النسق وتسلسل الرُتب. يعني، مكان يمثّل هيبة الدولة، ولا يهم بعدها إن كان يشغل عمارة مُتعبة فيها أسوأ نظام للمجاري على وجه الأرض.

العمارة مازالت موجودة حالياً وتشغلها عوائل مُختلفة، ويديرها شخص أسمه(ابو محمد)، وهذا يمكن أن يؤجر لك (شقة!)داخلها، أو يمكن أن يرتّب لك عملية شراء لـ(شقة)، بعد أن تدفع مبلغاً من المال لصالح العائلة التي تسكنها حتى تغادرها، يعني (سرقفلية).

أعود الى عام 2000، ومثل أي جُندي جديد، (نَشرتُ) اسمي في قَلَم الآمريّة، وصار الأمر بأن ألتحق بشُعبة حسابية تسمّى (الرقابة الداخلية والتدقيق) موقعها في الطابق الثاني من المبنى المكوّن من خمسة طوابق.

رأيّته واقفاً عند زاوية الشعبة وعلى وجهه شبه ابتسامة، وأوحت لي تقاطيع سُحنته إنه من أولئك الطيّبين الذين سحبتهم الخدمة العسكرية من بساتينهم التي يفلحون فيها، أو أرضهم الزراعية التي تتلقى قطرات عرق جبينهم. هؤلاء عادة ما يكونوا إخواناً للغريب وقلوباً مفتوحة للجميع، وهذا ما شجّعني أن أسأله دون الجميع:"خوية، أريد أسألك عن نظام الخفارات هنا شلون؟!".

زادت البَسمة على وجهه الأسمر اتساعاً، وبدا مثل من ينظر الى شبحٍ يقف خلفي مرتاباً ولم ينظر الى عيّني مباشرة، بل تنقّلت مقلتاه، مرّة على الشبح الواقف إفتراضاً الى الخلف منّي، ومرّة الى يمينه وشماله ثم أجاب بسرعة عاقداً إبهامه على سبابته؛"راح تتمرّض!، ...تلحگك خفارتين أسبوعياً وكلثت أيّام واجبات بقاء، يعني الى ساعة بالعشرة بالليل، يالله يخلوك تروح لأهلك!"...

لم أجد كلمة أقولها إزاء هذه الصدّمة سوى همسات خرجت من فمي المحتقن:"شني هاي ...معقولة ؟؟...الله كريم...سهلة، شكوبيها مو مشكلة".

ومشيت مبتعداً وأنا(مسطور!) بهذه المعلومة التي أخبرني بها ج.م.إداري علي بادي. وأخذت أحدّث نفسي:"معقولة؟...بعد هذا الجهد العظيم حتى أنتقل الى بغداد وداخل الكرّادة الحلوة...أنوب أبات خمسة أيام بالأسبوع!...خمسة؟!...لو رايح حرس جمهوري أحسن لي ولا هالشدّه".

في ذلك اليوم، وبعد الدوام الرسمي، استوقفت سيّارة للأجرة أعود بها الى منزلي في الكرخ، فطلب منّي سائقها ألف دينار!!...وهو ما يعادل أجرة تنقلي بالمواصلات العامة لأربعة أيام، فأعتذرت منه.

في تلك اللحظة صادفت وجهاً بشوشاً عرفته على الفور، هذا هو"قيس رياض"، زميلي في معسكر التدريب، خريج كلية التربية قسم الرياضيات. كنّا قد افترقنا قبل ثلاثة شهور فقط. انتقلت أنا الى آمرية الحسابات، بينما انتقل هو الى القاطع الرابع في كركوك.

سألته عن أحواله، وسألني عن أحوالي وركبنا سويّة في المواصلات العامة الى الباب الشرقي. في الطريق أسرّني بأنّه (يتبرّع)كل أسبوع لوحدته العسكرية. ولا يضطر الى الحضور سوى بضعة أيّام في الشهر، يدفع راتبه وفوقه بضعة آلاف من دنانير الطبع التافهة الشكل. أمّا وقته المتبقي فهو ينقضي في العمل بدكّان والده القريب من بيته، وهو حريص على ألّا يستلم والده العجوز نقوداً مزوّرة.

وبِصمت تحسّرت،"كركوك يداومون بيها خمسة أيام بالشهر، وأنا في نص بغداد ولازم أداوم خمسة أيام بالأسبوع!!..شنو هالحظ الأغبر!".

في اليوم التالي قصصت ما فهمته من الأخ الطيّب علي بادي على أحد زملائي من الجنود الأقدم منّي في الآمرية، وكان أسمه"عادل". استمع لي بانتباه والابتسامة لا تفارق وجهه. وكانت اجابته:"ها؟..اشتغلوك؟...قفّصوا عليك؟..هذا(علي بادي)هوّة يلزم خفارة بلفة فلافل ..أهلة بالمناذرة وماينزل كل ست شهور مرّة!..عايش على مسك الخفارات بدل باقي الجنود!".

هنا فهمت أن كلمات الأخ الذي تصوّرته ريفياً طيباً و"فقير"كانت عبارة عن "حرق لسوق مسك الخفارات!!".

ومنذ ذلك الحين فهمت درساً ثميناً. ان التصريحات المجانية التي تبدو على شكل ثرثرة ونصائح، انما تقف خلفها في العادة نفسية مريضة واستغلالية وطمّاعة مثل سالف الذكر؛علي بادي!.

Top