نسخة عراقية من قانون نيوتن

نسخة عراقية من قانون نيوتن     2017/08/27 15:48 عدد القراءات: 611




يقول الفيزيائي والفلكي البريطاني جيمس جينز (1877-1947):"إن مسار المعرفة وتراكم المعلومات بدأ يقودنا اليوم الى الإيمان بأنّ الكون يبدو في حقيقته على شكل(فِكرة)كبيرة، بدلاً من افتراض وجود (ميكانيكية) معيّنة تقوده. لم يعُد العقل دخيلاً على عِلم الفلك الذي تـُفهم من خلاله مسائل الكون. وربما يجب علينا أن نشخّص العَقل لوحده على أنّه صاحب الملكوت بدلاً من البحث عن خالق، أو صانع كـُلّي الذكاء".

ويتحدث جينز هنا عن (قوانين نيوتن) بطريقةٍ غير مسبوقة في الوصف، فهو لا يمتدحُها وإنّما يشخّص طبيعة (العقل) الذي أنتجها ويصفه بأنّه عقل خالص، لا شوائب فيه قد تؤثر على مساره في التفكير، متصالح مع نفسه لا يخدعها.

وبالحقيقة هذه كانت دوماً هي الطريقة التي وُلِدت بها أكبر الفتوحات العلمية في التاريخ. لقد كانت صفاءً عقلياً حرّاً، كلّما ازداد في حرّية تفكيره، كلّما رسخت الفكرة التي ينتجها. ومن بين شروط الحرّية العلمية ألّا يخدع العالِم نفسه فيطرح حلولاً لا أصل لها، ولا توفر مُعطيات تدعمها.

المشاكل والأحجيات والأسئلة الكبيرة تحتاج تفكيراً من مصاف الأفكار الكبيرة حتى نصل بها الى نتيجة.

والمُشكلة العراقية، مشكلة كبيرة، لكن هذا لا يعني أن ليس لها حَل، إنما يحتاج هذا الحل الى عدم خِداع النفس في تقديم المُعطيات. مثلما هو بحاجة الى الواقعية (والواقعية تعني أيضاً الاعتراف بالمُعطيات الموجودة وعدم إهمالها حتى لو كنّا لا نميل إليها).

تعالوا نعترف أن المشكلة العراقية مُتشعبة وواسعة بحجم أي مشكلة كونية أخرى.

وربّما سينفع التواصل في طرح التساؤل المنفرد بعبارة(لماذا)، ليخدم بمثابة قانون فيزيائي على غرار قانون نيوتن، فقد يوصلنا الى حلّ ما.

اختاروا أي عُقدة عراقية، وواصلوا طرح(لماذا)على أي تساؤل فيها، سنصل حتماً الى نتيجة صافية وواضحة وقليلة العُتمة.

لا ضير في التجريب!، لنجرّب هذه الطريقة على أي مسألة عراقية (كبرُت أم صغُرت).

لماذا(قُتل)مهندس البلدية في الدورة؟

لأن سيطرة تابعة للبيشمركه أطلقت عليه النار.

ولماذا تتواجد سيطرات البيشمركه في الدورة جنوب بغداد؟

لأن واجبها تأمين حماية هذه المنطقة كي لا تنطلق منها صواريخ باتجاه مقر اقامة رئيس الجمهورية.

ولماذا يستعين رئيس الجمهورية بالبيشمركه كقوات لحمايته؟

لأنه(لايثق)بالقوات المسلحة العراقية الأخرى.

ولماذا لا يثق بـ(الأخرى)؟

لأن العادة جرت على أن كل مسؤول له حماياته الخاصة و(قوّاته) التي ينتقيها وفقاً لمعايير طائفية وعرقية.

ولماذا جرت هذه العادة في الحياة السياسية العراقية؟

لأن السياسيين لا يثق أحدهم بالآخر، ولا يثقون بجهاز (الدولة) التي ينتمون لها.

ولماذا لا(يثقون)ببعضهم البعض؟

لأنهم ليسوا رجال دولة بالأصل، مجرّد أناس جلبتهم الصدفة والحظ العاثر (حظّنا  وليس حظّهم).

ولماذا هم ليسوا رجال دولة؟

لأن الناس انتخبتهم على أساس تمثيل الطائفة أو القومية ومواجهة الطوائف والقوميات الأخرى، وليس على أساس القدرة على تقديم الخدمات.

ولماذا انتخب الناس على هذا الأساس؟

لأنهم خائفون من أن يبتلعهم الآخر، يقضي عليهم، يُصادر حقّهم بالحياة على أساس المساواة.

ولماذا هم خائفون؟

لأن التغيير لم يصنعه العراقيون، إنما صنعه شخص قرر إزاحة صدّام في ليلة سوداء، فأزاحه وبعدها "أكلنا وَحَل".

ولماذا لم يُزح الشعب العراقي صدّام بنفسه؟

لأن صدّام طاغية و سفّاح، وأمثاله يُعدّون على الأصابع في التاريخ، وكان مستعداً أن يذبح من العراقيين لغاية ما أن يصبحوا بتعداد نفوس البحرين!

ولماذا ظهر صدّام في العراق؟

لأن عوامل تاريخية واجتماعية وطائفية هي التي التقت في نقطة سوداء فوُلد فيها أسوأ حاكم عراقي عرفه التاريخ.

ولماذا لا يتجاوز العراقيون هذه العوامل (التاريخية والاجتماعية والطائفية)؟

لأن الدين والطائفة عاملان فاعلان بطريقة حارقةٍ خارقةٍ في الحياة السياسية والاجتماعية العراقية.

ولماذا لا يركنون الى الديمقراطية بدلاً من شحذ السكاكين تجاه بعضهم البعض؟

لأن الديمقراطية لا تعمل ولا فائدة منها وسط عقلية مُشبعة بروح الدين والطائفة والتغالب الأثني والعرقي.

....

جرّبوها، وأنا معكم.

 

Top