مُتحف للطائفية

متحف للطائفية     2017/08/24 17:20 عدد القراءات: 2314




سُئل صدّام مرّة عن الشيعة والسُنّة في العراق، فأجاب: "وفي العراق نساء ورجال أيضاً، وماذا فيها لو كان هناك تنوّع في مكونات الشعب العراقي؟".

هذه باختصار أولى الخطوات والملامح لتمييز المُتسلّط "الطائفي". أنّه يُقر بوجود الطوائف لكنّه ينفي تماماً وجود(طائفية)، أو (تمييز طائفي). يعترف بأن الطائفة عنصر قابل للتمييز، لكنّه يفترض أن (سلوكه الطائفي) غير واضح للعَيان. والخطوة التالية المتوقّعة منه أنه سيحاول سّوق(الطائفية) على أنها نوع من المكوّنات الثقافية الطبيعية، وبالتالي علينا أن نتعامل مع وجودها بأريحية وقبول تكويني.

لكن الحقيقة والتجربة تؤكّدان لنا أن (الطائفية) لا يمكن أبداً أن تكون صفحة ثقافية من المكوّنات الطبيعية لشعب ما. والسبب، لأنها ببساطة لو دخلت تحت تصنيف التنوّع الثقافي فإنها لن تُبقي على الشعب شعباً. وببساطة أيضاً، فإنّها ستعمل على تهديم أيّ مقوّم (ثقافي)آخر يزيد من تمايز ملامح ذلك الشعب.

الطائفية فايروس نشط لتخريب أي هوية حاضرة سارية المفعول في مجتمع يكوّن شعباً. الطائفية؛ مفهوم عدائي بامتياز.

السلطة التي تحكم العراق الآن هضمت هذا الدرس (الصدّامي) جيداً. وعرفت أنها لا يجب أن تـُنكر، أو(تتنكر) للطائفية. بل العكس أنفعُ لها، فتوجّب تقديسها وتمريرها باعتبارها مكوّناً ثقافياً طبيعياً موجوداً وسيبقى الى الأبد.

والسبب أيضاً في هذا الأمل بالبقاء السرمدي للطائفية، هي أنّها أداة قابلة للالتهاب، ووسيلة سيستمع لها الجمهور الناخب برحابة صدر وبعقل يتمتّع بإجازة مفتوحة.

صحيح أن عموم المكوّنات الثقافية المتنوّعة فيها شيء واضح من العدائية لنقائضها؛ لكنها عدائية (خاملة)، يصعب تفعيلها، ويصعب وضعها تحت الطلب.

على سبيل المثال، هناك فارق تمييزي بين الأكراد الفيليين وبين باقي الأكراد من إثنيّات أخرى(سورانيون، وباهدينانيون). التمييز ينسحب حتى على اللهجة المحكيّة بالكردية. ورغم أن الفوارق اللهجوية موجودة أيضاً بين (السورانيين والباهدينانيين) ايضاً، إلّا ان هؤلاء لا ينسون أبداً أن الفيليين من الشيعة، بينما الباقون معظمهم من السنّة.

وعلى سبيل المثال أيضاً، يحتفظ التركمان بتشكيلهم الثقافي المُتمايز بأوضح الأشكال (على شكل لغة يختصّون بها وموروث يعرّف بهم)، لكن مُماحكاتهم التمييزية تجاه الأكراد تكاد ترقى أن تكون (إرثاً) ثقافياً لوحدها. لكن الهوّة الأوسع، هي تلك التي ترسمها ذاكرة التركمان الشيعة تجاه الأكراد السنّة. ففي حضور الطائفية، تختص لوحدها بالاستعار واللهب، بينما تبرُد الفواعل والعوامل الأخرى.

العلّة ليست في وجود(جينات)طائفية مفترضة، تتعملق بينما تجعل باقي المؤثرات أقزاماً. إنما العلّة الأبرز تكمن في مشروع السلّطة الذي تحمله الطائفية معها. هنا يكمن أخطر أنواع التناقض، فبينما تسعى (الطائفية) الى حيازة السلطة من أجل نُصرة أطروحتها، فإذا بها تدهس (المواطنة) في طريقها. وبالتالي سيكون الوطن الذي تحارب الطائفية من أجل الاستحواذ عليه غير موجوداً بالأصل.

يكتب عدنان الدليمي عن مؤتمر إسطنبول (تشرين ثاني 2006) الذي صاح فيه صيحته الشهيرة؛"...يتهموننا بأننا طائفيون، نعم نحن طائفيون"، فيقول: "دعت شخصيات شيعية كثيرة الى مُحاسبتي حين أعود الى مجلس النوّاب، واتخاذ أقسى الإجراءات بحقّي. فلم يجر أي تحقيق معي، ولم يوجّه لي اي سؤال. لكنّ النقمة ازدادت عليّ بشكل آخر، فقد أوغلوا صدور الأميركان تجاهي. وجرت مُداهمة بيتي في حي العدل عدّة مرّات بحثاً عن مشتبه بهم ولم يجدوا شيئاً".

وبالتأكيد هذه الجهة من الرواية تغفل تماماً أن صيحات الدليمي "نعم نحن طائفيون"، كانت تشبه غيث الصباح البارد على قلوب نظرائه الشيعة. فها تسجيل بالصورة والصوت من أشد الأصوات علواً بالطائفية، يتهمكم ويستعدي عليكم دول الجوار. فأيّ ملاذ لكم سوى التخندق خلف (شيعيتكم)!.

بالمجمل، فإن الطائفية تشبه الى حد بعيد لعبة السكواش، التي لا يتقابل فيها اللاعبان، إنما يقابلان حائط صدّ ترمى عليها الكرات، هذا يعني أن الطائفية لا تزدهر وتورق إلّا بوجود آخر مختلف ومعاد. لهذه الأسباب لا يمكن أن تكون عاملاً أو مكوّناً ثقافياً من بين مكوّنات الشعوب. لأن الثقافة المتنوعة جوهرها القبول والاتساع للمختلف.

عسى أن يفهم هذه الكلمات دعاة (الأمّة) الشيعية، أو أمّة (الطائفة) التي هي ليست أكثر من ملف سياسي، إذا ما حضر فسينتفي عقلاً وجود الشعب. وعسى أن يفهم الناس أن التاريخ لم يشهد على الإطلاق قيامة دولة على أساس طائفي، والّا تخلط هذه بالأثنية والعرق ومفاهيم الأمة التي هي حجر الركن في قيمومة معظم الدول خلال الأعوام الألف الأخيرة.

Top