قضية أنابيل جيفرسون ...في مخيّم عامرية الفلوجة!

قضية أنابيل جيفرسون في مخيم     2017/08/17 13:06 عدد القراءات: 960




(أنابيل)عمرها 44 عاماً. تزوّجت لثلاث مرّات وانفصلت بعد ذلك، لأن لها شكلاً غير جذّاب بالمرّة، وربّما ألطّف من شكلها حين أصفه بأنّه غير جذّاب. وعن زواجها الأخير تقول: كان زوجي يُعتبر أعمى من الناحية الطبّية، إذ أن نسبة الإبصار لديه لا تزيد عن 5%في المائة. وحين أجرى عملية جراحية لإحدى عينيه، وتمكّن من رؤيتي، طلّقني بعد أسبوع.

أنابيل جيفرسون التي تسكن في كاليفورنيا وهي امرأة قبيحة المظهر، لا شيء يُحسب على الجمال في معالم شكلها. الآن هي تقف أمام المحاكم الأميركية، وتطالب(والديها) بتعويض قدره مليوني دولار، وذلك لأنها تتهمهم بـ"المسؤولية المباشرة عن منحها ملامح قبيحة في وقت كانا يعرفان تماماً أن جيناتهما تحمل هذه المواصفات غير المقبولة، لأن منظرهما بشع لا جمال فيه".

وقدّمت أنابيل الى المحكمة صوراً لوالديها تعود الى أيّام خطبتهما وواضح فيها أنهما كانا دميمي الخِلقة!

الى هنا ينتهي مُختصر القصّة الصحفية التي نقلتها الصحافة الأميركية قبل أيام، وهي قصّة تحمل معيارياً كل جوانِب الشد الصحفي؛ الفُكاهة، والسُخرية المُرّة، والندرة.

ولو كنتُ رئيساً لتحرير وسيلة إعلامية إخبارية ما ترددت ُ للحظة أن أتابع هذه القصّة، لأنها نموذجية في السياق الصحفي الترفيهي أو الساعي الى الإدهاش (رغم ما فيها من ألم لأبطالها).

لكنّي أجرّب هنا أن أقف للحظات وأسأل: هل لدى أنابيل شيء من الحق في دعواها؟ هل يمكن لها أخلاقياً أو وضعياً أن تحمّل والديها مسؤولية شكلها غير المرغوب فيه؟

بطريقة أبسط سأجيب عن هذا التساؤل، أقول: كنت أعمل على تحقيق تلفزيوني يتعلّق بأحوال الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة، الذين وُلدوا بإعاقات تستدعي رعايةً وتدريباً خاصاً لمساعدتهم على المُضي في الحياة (الحياة المُعاقة)، لكن بالتأكيد أن الحياة فيها أمل، وهم يتعلّقون الى أواخر حياتهم بهذا الأمل. ولنتذكر أن كلّ معوّق هو بالضرورة ذو حظ تعِس، بلا حاجة الى استدعاء النصوص الدينية التي تلف وتدور في محاولة لتجاوز هذه الحقيقة.

وخلال التحقيق التلفزيوني، اكتشفت حالة سيدة عراقية لها(خمسة) أطفال من الصُم والبُكم. خمسة! لا واحد ولا اثنان ولا ثلاثة...إنما خمسة.

وبالتأكيد سألتها عن أصل السبب، وأجابت بتلقائية بأنّ الأطباء شخّصوا لديها مشكلة في المُورثات (حالة نادرة)، وهي المسؤولة عن أن كل أطفالها يُولدون مفتقرين لحاسّة السّمع. وحين سألتها: حين ظهر لديك طفلان أو ثلاثة وهم مُصابون بتعطّل حاسة السمع وبالتالي صاروا من الصّم والبُكم، لماذا واصلتِ الإنجاب؟ أجابت: كنت أتأمل أن يُولد لي طفل(صحيح) فيساعد إخوته حين يكبر ويرعاهم!

وقتها لم أتمكن من تصنيف كلام هذه الأم على وجهته، هل هو إفراط في الأنانية؟، أم أنّه نوع من الواقعية لا يعرفها إلّا من تمتحنه الظروف بمثل هذا القدر؟

إنجاب الأطفال يتطلّب مسؤولية بالتأكيد، لكن الخِلاف بين البشر والمُجتمعات ينشب في العادة حول نوع هذه المسؤولية ومدى استمرارها. فالمُصابون بالأمراض المُعدية المستدامة (الإيدز- نزف الدم الرعافي- اختلال المورثات)، عليهم مسؤولية أخلاقية ألّا ينقلوا هذه الأمراض الى أطفالهم أو زوجاتهم، وكذلك المُصابون بأزمة معاشية اقتصادية مستدامة لا فِكاك منها، لا أقول إن عليهم أّلّا ينقلوا هذه الأزمة لأبنائهم، إنما عليهم أن يتفكّروا ولو قليلاً في مصير هؤلاء الأبناء.

فكّروا قليلاً يا بشر قبل أن تنجبوا المزيد من الأطفال!

وفي مخيّمات عامرية الفلوجة، اقتربت منّي سيّدة، وهي تحمل طفلاً مصاباً بحالة متقدّمة من داء الصدفية، منعها الحياء أن تكشف وجهها، لكن حالة طِفلها كانت قاسية على قلبها (ومرعبة بالنسبة لي) وهي تسأل بيأس: هل بينكم من يعرض حالة طفلي في التلفزيون عسى أن يشاهده مسؤول ويرحمني؟

لا أريد أن أكون قاسياً على هذه السيدة المسكينة أكثر مما قست به الظروف عليها، لكن الطفل لا يتجاوز عمره سنة، وله شقيق أكبر منه مُصاب بنفس الداء، وواضح ان الإثنين قد خرجا الى هذه الدنيا في المُخيّم. لكن، هل يمكن أن نطلب من المسؤول أن يتحلّى بالمسؤولية؟، بينما لم يشعر بها والد الطفلين وهو يضاجع زوجته، ويتسبب في حملها في أسوأ ظرف مرّ عليه في حياته! بلا طعام وبلا عمل وبلا سكن!

يقول كريستوفر هيتشنز*: إن الفقر له علاج واحد، مجرّب وناجح. وينفع في كل المجتمعات؛ إنّه تمكين المرأة. تحريرها من كونها بقرة للإنجاب. تمكينها من أن تختار متى تنجب ومتى لا تحتمل رعاية الأطفال. هذا هو الحل الوحيد الذي اثبت نجاحاً وأحدث تغييراً. لأن الفقراء تخبو عندهم الأحاسيس بفظاعة ما يعيشونه، فيتّجهون الى مزيد من الذّرية، والى مزيد من الطقوس الدينية، ظنّاً أن هاتين المسألتين فيها خلاصهم.

لا أرى أبداً أن أنابيل كانت تسخر بدعواها المقامة ضدّ والديها، بل إنها محاولة بعنفوان، كي تقول بصوتٍ عالٍ: لماذا لم تستعملوا عقولكم كما استعملتم أجهزتكم التناسلية؟، مع أن كليهما مجّاني!

 

*كاتب وصحفي بريطاني، له مؤلفات وكتب ناقدة جداً للمؤسسات الدينية.

Top