شهادة ..عافاكم الله!

قيس قاسم العجرش     2017/12/10 20:41 عدد القراءات: 20478




أمازح سيّدة بيتي بين حين وآخر وأذكّرها بأن رحمة الله قد سبقت عفوه، ولم تجعلني أستكمل الدراسة العليا بعد الباكالوريوس. سيدة منزلي (وهي في ذات الوقت زميلتي السابقة في الدراسة) تبتسم دائماً وتقول: صار في البلد ماكنات عمومية لمنح الشهادات.

لو انطلقنا من ثابت عقلاني بسيط يقول: إن أي سوق للعمل في العالم ستحتاج الى عدد محدود من أي اختصاص، ولو تجاوز حملة الشهادات هذا الحد فإن مصيرهم بلا أدنى شك سيكون البطالة، أو في حال أفضل أن يكون مصيرهم العمل في غير اختصاصهم.

ومع استمرار تدحرج الحجر العراقي من أعلى التل الى أسفل الوادي (دون أن يتبيّن لهذا الوادي قعر لحدّ الآن)، فإن "حملة الشهادات" يزدادون في أعدادهم، مثلما تزداد أندية العاطلين عن العمل. والنتيجة الأكثر وضوحاً هي ملف من التناشز العقلي والنفسي لشخص يشعر بأنه يحمل مؤهلاً معيّناً وأن على المجتمع أن يتدبر أمر وظيفة له تليق بهذا المؤهل.

الموضوع كلّه يتكئ على ما خلقته حكومات بعد عام 2003 من دولة ريعية تنشغل دائماً بفتح باب التعيينات كلّما اقتربنا من موسم الانتخابات. هذه السياسة تكررت وتكررت فأفرغت موازنات الدولة من محتواها الحقيقي. وفي الوقت الذي وجدت "الاستثمارية" طريقها الى جيوب المقاولين ورجال الأعمال المقرّبين من هذا الحزب أو ذاك، فقد وجدت "التشغيلية" طريقها الى أن تتحول الى رواتب وأجور لمئات الآلاف من الموظفين الجالسين بلا عمل حقيقي.

وحين يشحّ العمل، تشحّ معه فُرص الإبداع، ويبدأ التراجع نحو الانتكاسة الاقتصادية بائناً للعيان ولا يحتاج لأرقام كي تثبته.

الجديد بالأمر، ومنذ أن صارت الشهادة متطلّباً عاماً للانخراط في رحمة الحكومة البارّة بموظفيها، افتتحت ذات الأحزاب المُتسببة بالكارثة الاقتصادية حفنةً جديدةً من الكلّيات الأهلية. طبعاً هذا جاء بعد ان افتتحت الحكومة المزيد من الجامعات الحكومية في المحافظات، وخلقت المزيد من مناصب العمداء ورؤساء الجامعات. وبالـتأكيد شملتها برحمتها الحكومية المُسماة محاصصة.

نفس الأحزاب التي توسّعت في افتتاح جامعات تخرّج المزيد من العاطلين، اجتهدت في أن تمتلك كلّيات أهلية تخرّج المزيد من المخدوعين بأمل التعيين في مؤسسة أكبر تاجر في السوق (وأعني به الحكومة).

لكن هذا التاجر الكبير (وأعني الحكومة مرّة أخرى) زاد من جشعه الى درجة أوشك أن يحرق السوق نفسه. وقد دخل بالفعل في مرحلة صناعة محترفة للبطالة، وفي اختصاصات لا حاجة للعراق بها.

وحين نتحدث عن عدم الحاجة، فلا نعني بالضرورة الاختصاصات الإنسانية، أنما حتى الاختصاصات العلمية (الهندسية تحديداً) لم يعد لها ما يبرر هذا الدفع الأعظم بأمواج من الخريجين الجدد.

لكنها في النهاية كارثة اقتصادية مصنوعة بحذاقة. ولن تجد سبيلاً الى الحدّ منها إلّا عبر قناعة الطلبة أنفسهم بأن الدراسة وحيازة شهادة هي أمر مختلف تماماً عن حيازة (مؤهل).

ومثالي البسيط هنا، لنحاول أن نسأل عيّنة عشوائية من خريجي كليّات اللغات عن عدد النصوص التي ترجموها في حياتهم المهنية. لا تتفاجأوا بأن إجابة العديد منهم ستكون؛ صفر!، ولم يترجموا أيّ نص!، ولا حتى على سبيل التسلية. بل لنحاول أن نفحص معرفتهم باللغة التي درسوها.

ذات الشيء يسري على باقة من خريجي كليات العاطلين التخصصية التي تنجح فقط في تخريج عاطلين عن العمل بلا مستوى علمي يُذكر.

ومع هذا، فإنهم مستعدون للخروج في تظاهرة تطالب بتوفير تعيينات حكومية لهم.

زحمة...زحمة جداً هذا المستوى من العشوائية الذي يعيش وسطه شبابنا اليوم.

Top