ماذا يحدث في الحنانة؟ ماذا يحدث في الجادرية؟

ماذا يحدث في الحنانة ماذا يح     2017/07/26 14:54 عدد القراءات: 11750




مضى زمنُ الآباء، ولم تبق سوى ذكراهم، محمّد محمّد صادق الصدر مضروباً بالرصاص في الميتسيوبيشي على يد البعث، ومحمّد باقر الحكيم بسيّارة مفخخة مبكّرة من أعمارنا المحسوبة أصلاً بالمفخخات، وما بين العقدين، أو ما يقاربهما، كبرَ الشابّان: مقتدى الصدر وعمّار الحكيم، ولم تعد وسائل الإعلام تسمّيهما بـ"الزعيم الشاب"، فكلاهما وجد الشيبُ طريقاً إليهما، وتغيّرا كثيراً، خصوصاً مقتدى الصدر، الذي يؤكد على أن مقتدى الصدر هو شخصٌ يتغيّر باستمرار، حتى يكاد يختلف مقتدى الصدر 2006 عن 2016، ولا يجمعهما سوى أشياء قليلة!  

ماذا يحدث في الحنّانة، حتى يتحوّل صديقٌ قريبٌ من إيران، استقرّ فيها لفترةٍ ليست بالقصيرة، مثل مقتدى الصدر، إلى أن يكون ثاني اثنين هما واقفان ضدّ الهيمنة الإيرانيّة في العراق؟ وماذا حدث، كي تكون المواطنةُ والعمقُ العربيّ هما أكثر منهجين يُتبعان من قبل مقتدى الصدر؟ وما الذي جعل الصدريين، الذين كنا نخافُ رصاصهم، و"صكّهم" وجولاتهم في "البطّة" سيئة الصيت، يعلّقون في صفحاتنا، نحن الذين ننتقد مقتدى الصدر إن تصرّف تصرفاً غير صحيح، بقولهم "لم تكن منصفاً"، فحسب؟!

ماذا يحدث في الجادرية؟ ابنُ الأسرة الحوزويّة العريقة، غير المتشدد، الذي خاطرَ بسخط النجف عليه، وقام بترشيح نساء سافرات في كتلة المواطن، السياسيّ الذي يجلسُ بقربه سنّة وشيعة وكرد بلا حساسيّة كبيرة، المشتوم كثيراً، وصاحب فكرة "أنبارنا الصامدة" التي لو نُفّذت في وقتها لجُنّبنا الكثير من الدماء؟

ليست الصورة سوداء تماماً، إن أردنا البحث بالتفاصيل، لأن هذين الزعيمين، وغيرهما من زعماء تحبّونهم أو تكرهونهم، هم موجودون، ولا أحد يقوى على "قلعهم"، مهما كان هذا الـ"أحد".

مقتدى الصدر، تنازل عن وزارةٍ، ليتسنّمها حسن الجنابي، وزير الموارد المائية، وعمّار الحكيم وقف بظهر عبد الحسين عبطان، وكلا الوزيرين، مثالاً لا حصراً، يعملان بطريقة إيجابية، تتضح لكل متابع.

مقتدى الصدر، من الحنّانة، وعمّار الحكيم، من الجادرية، يتغيّران بسرعة، رغم أن التاريخ لم يمحُ ما فعلاه سابقاً، أو على الأقل صمتا أمامه، فكلاهما شريكان بعمليّة سياسية فاشلة، ويحتلاّن قلبها، وأكبر مراكزها، لكنهما ومنذ فترة ليست بالقليلة: يتغيّران.

اختفى الاتجاه الإيراني من كلام عمّار الحكيم، ولم نعد نراه الابن المدلل للوليّ الفقيه، هناك مَن حلَّ مكانه بكل تأكيد، وصار العلم العراقي هو الأيقونة الوحيدة التي يرفعها الصدريون في التظاهرات، وكلاهما يحرص على بتر الزوائد، إن كانوا شيوخاً راديكاليين مثل حالة الحكيم، أو مسؤولين فاسدين مثل حالة الصدر.

الصدرُ والحكيم، كلاهما من أعمدة السلطة في العراق، بكلّ سيئاتها وإيجابيّاتها، وكلاهما لا يختفيان بضغطة زر، حتى إن كرهنا وجودهما، ولا نملكُ – نحن المغرمين بالتفاصيل! – سوى دعم أيّ تفصيلة إيجابيّة يقوم أحدهما بها.

شخصياً، أنا سعيد بـمشروع الصدر الخدمي، مثلاً، وسعيدٌ بانسحاب الحكيم من شيوخٍ يؤمنون أن الكرد قومٌ من الجن، وإن حدثت حربٌ بين العراق وإيران فإنهم سيلتحقون بإيران، ولم أنس – في ذات الوقت – أن الصدريين كانوا جزءاً من الحرب الأهلية عام 2006، ولا أنسى أن "صاية" عمّار الحكيم هي ما قدّمت لنا شخصيات مثل باقر الزبيدي، قابلٌ لأن يكون في كلّ وزارة، ولأن يخرب كلّ وزارة!

ليسا ملاكين، وليسا شيطانين، هما سياسيان، إنسانان يُخطئان ويُصيبان، وفي وقتٍ يوجّه الجميع وجهه لطهران والرياض وأنقرة وواشنطن، يحتفظ كلاهما بوجهة النجف الأشرف، وتحديداً حيث السيد السيستاني، وفي وقتٍ يكون التكتّل الطائفي على أشدّه، ما قبل الانتخابات، يحتفظُ كلاهما بعلاقات مع الأخوة الأعداء، وبالتالي يشتركان بأحايين كثيرة بإطفاء بعض الحرائق.

ما بين الصدر الجديد، وتيار الحكمة العراقي، هناك اتجاهاتٌ لا بأس بها، وما دام الرجلان يتجهان بطريقةٍ أو بأخرى لدعم كيانٍ جريح مثل "الدولة العراقية"، فلا بأس بإلقاء الضوء على هذين الاتجاهين، اللذين ربما يتعارضان تفصيليّاً بشكلٍ كبير، لكنهما – في هذا الوقت – حريصان على بعض الأنساق الإيجابيّة التي من شأنها أن تتحوّل إلى ظاهرةٍ بالمستقبل القريب.

رحم الله أستاذي الكاتب أحمد المهنا حين قال بظهيرةٍ بغداديّة حارة "دائماً أول 100 سنة صعبة"! 

Top