هذه حكايتي مع رجل اسمه "وجيه عباس"

هذه حكايتي مع رجل اسمه وجيه     2017/10/29 12:20 عدد القراءات: 24138




في بيجٍ تابع لجيش ألكترونيّ لنائبةٍ في البرلمان العراقي، ويديره بشكلٍ شخصيّ مقدم برامج هو مدير إعلامها، تمّ نشر مقطع فيديو يحملُ آراءً لوالدي، ولي، حتى ليبدو الوالدُ رادّاً عليّ، وأنا أيضاً، بطريقة تركت كل أنواع الاختلاف، ووصلت لمحاولة الإيقاع بين الاب وابنه.

طريقةٌ نذلة، لكنها مضحكة.

ضحكنا طويلاً، أنا ووالدي ونحن نشرب الشاي قبل يومين، على هذا الفيديو، وعلى صاحب البيج، الذي جعله والده يبيتُ لفترةٍ طويلة في قناة الاتجاه، بسبب زوجته الجديدة التي تزوّجها بعد أن توفّيت والدة هذا "الإعلامي" الذي اكتفى من الإعلام بأن يكون عامل نظافة لسيادة النائبة.

حسنٌ، دعونا نتحدث عن هذا الموضوع:

ولدتُ في 10 شباط عام 1989، في منزل شابٍ تخرّج حديثاً من كلّية الشرطة في بغداد، اسمُهُ: وجيه عبّاس، كان قد تزوّج حديثاً، وأنا ابنُهُ البِكر، وكانت حياتُهُ تنقسم آنذاك إلى ثلاثة محاور: عمله، وأسرته، وكتابته للشعر.

نشأتُ في ظلّ هذا الرجل، وفي ظلّ امرأة عظيمة، في منزلٍ صغيرٍ في مدينة الثورة (مدينة صدّام سابقاً، مدينة الصدر حالياً)، وكان في بيتنا مكتبةٌ كبيرة، هي مكتبة هذا الشاب، الذي بدأ برعاية طفلين: أنا وأخي مُحمّد.

والموضوع هنا، يتعلّقُ بشكلٍ كبير بشيءٍ اسمه: المكتبة، المكتبة التي غذّته هو، وغذّتني من بعده، فأنا شقيقه بالمكتبة، وابنه بايلوجياً، وابنه ثقافياً.

المكتبة التي بيعتْ فيما بعد بالحصار، بدأتُ معها مُبكّراً، والشاب الذي بدأ يكبرُ، وطفلُهُ الذي بدأ بفكّ الحروف، وجد أمامه كلّ شيء في هذه المكتبة، المُتنافرات كلّها، كتب الإيمان والإلحاد، السنّة والشيعة، أدبيات اليمين واليسار، الشعر والقصّة، وما مدَّ الطفلُ يده يوماً إلى كتاب وقال له وجيه "لا"، كانت يداه تتجوّلان بحرّية. الطفلُ الذي هو أنا كان يقرأُ كتاباً عن مناقب الإمام الحسين (ع)، ويقرأ في اليوم التالي كتاباً لعبد الله القصيمي ضدّ الإله.

في مكتبة وجيه عبّاس، قرأتُ كلّ المتنافرات، حتى عرفتُ أن لا ثابتَ في هذا العالم، وكلّ شيءٍ نسبيّ، ولم تكن هذه القراءة لتكون جزءاً من تكويني، لولا يداه التي منحتني حرّية كبرى: حرّية التفكير، دون قول "اقرأ هذا" أو "لا تقرأ هذا"، "افعل هذا" و"لا تفعل هذا".

تدريجياً كبرتُ في كنف هذا الرجل، وشاهدتُ طريقته في التعامل معي، التي صارت فيما بعد طريقتي بالتعامل مع أخوتي الصغار، والآخرين بشكل عام، أي بمعنى: لا تأمره ولا تنهاه، ولا يصحّ في نهاية الأمر سوى الصحيح، وأن من حقّ المرء المغامرة العقلية، حتى ان ابتعدت عمّا يؤمن به الأب!

رآني وجيه عبّاس وأنا أتشتت وأتقلّب من رأيٍ إلى رأي، مرّةً يراني أدافع – أمام أصدقائي السنّة – عن الشيعة، وموضوعات الخلافة وكسر الضلع، فلا يعلّق، ثم يراني أدخلُ نقاشاتٍ حادّةً مع أخوالي بانتقاد رجال الدين الشيعة، فلا يعلّق أيضاً، يكتفي بإبداء وجهة نظره، ولا يستخدمُ أبداً سلطة الأب في قمع النقاش، أو إنهائه، وهو له المقدرة، فبعيداً عن المكتبة وغيرها، أعتبرُ نفسي ابناً صالحاً وصغيراً له، وإن كبرتُ، وأنا ممّن لا يخالفون له أمراً.

بدأ الطفلُ يكتب الشعر، لم يأمره الأب أو يقم بمنعه، بدأ بالذهاب والالتقاء بالوسط الثقافي العراقي، وصادقَ أصدقاءه، وعادى بعضهم الآخر، ولم يعلّق، إلاّ أحياناً بعتبٍ قليل حين أنتقد صديقاً مقرباً له بطريقةٍ عنيفة، وكان يردُّ بجملةٍ بسيطة على مَن يقول الجملة التالية "شفت علي شكاتب؟!"، يقول "ردوا عليه وفنّدوا ما قال".

في وضعٍ طبيعيّ، يبدو الأمر طبيعياً، أبٌ وابنه لا يلتقيان بالأفكار كثيراً، لكنهما يلتقيان على العشاء يومياً، ويجلب الابن المنشفة للأب حين يغسلُ يديه، أو يحمل حذاءه ويضعه بالخزانة، لكن الموضوع يبدو "مصيرياً" لآلاف يتعجّبون من ذلك، حتى كتبت الجيوش الألكترونية مرّةً أنه قد "تبرأ" من ابنه، المفارقة أننا ضحكنا – أنا وهو – ونحن نشرب الشاي في منزلنا.

لا يقتنع كثيرون بأن هناك أجيالاً مختلفة، تفكّر بطرقٍ مختلفة، ليس من الضروريّ تحديد مَن هو الخاطئ والصائب بينهما، فحتى الخطأ والصواب أمران نسبيان، ولم يتم حسمُهما إلاّ بثوابت قليلة جداً، نلتزم بها أنا وهو.

أجاب والدي على ملايين من أسئلتي خلال الـعقدين السابقين، أسئلة تتعلق بكل شيء، دون أن يملّ من هذا الابن، ولا من فتح نوافذ عقله، أسئلة تخصّ الشعر، والإله، والتصوّف، والتشيّع والتسنّن، والتمدّن والتحضّر والبداوة، وفي كلّها كنا نتناقش، وتخيّلوا عظمة هذا المشهد، أن يطرح الأب وجهة نظر، ويقول الابن "لكنني لا أرى هذا الأمر"، ببساطة، ويسير النقاش بشكلٍ هادئٍ، وطبيعيّ، مهما كان اختلافُ الرأي.

لم أعرف سابقاً رجلاً ديمقراطياً في حياتي، مثل والدي، حتى حين نقفُ أنا وهو على طرفيْ نقيضٍ في الآراء، في الشخصيات، المذاهب، المواقف السياسية، من الممكن تماماً أن يرى هو فلاناً شخصية مقدسة، وأنا أراها لا شيء، ومن الممكن أن شخصيةً ثانيةً أسمّيها بـ"المعلم" مثلاً، وهو لا يُقيم لها وزناً.

منظومات فكرية تختلف تماماً، وتنجمعُ حين نتشابه بالملامح، وطريقة الحديث، وحدّة طرح الرأي، حتى يستغرب الآخرون حين تبدو آراؤه كأنها ردّ على آرائي، والعكس أيضاً، بينما ليس بالأمر ردٌ ونقضٌ بيننا، وإنما هناك شخصان لهما رأيان مُختلفان، وصدف أن يكون أحدها ابٌ للثاني.

أعرفُ أصدقاء عديدين، منهم صديقٌ ملحد لا يؤمن بإله، ولا بمشتقاته، وهو يمثّل الصوم أمام أهله شهراً كاملاً في رمضان، والصلاة أيضاً، بسبب أبيه، وسطوته، وإهانته له، وحين أفكر به، أعرفُ عظمة هذا الرجل، الذي جعل تفكيري داخل رأسي، مُطابقاً لِما أتحدّث به شفاهياً، وأكتبه في فيسبوك.

نستمعُ لجملٍ سخيفة باستمرار أنا وهو، وهذا ما يزعجني، أنا ممّن لا يودّون أن يستمع آباؤهم إلى ما يسوؤهم بسببهم، مَن يؤمنون به يكتبون له "انت على حق، ومع الأسف ابنك يفكر بهذه الطريقة"، ومَن يؤمنون بي يكتبون لي "انت على حق، ومع الاسف يفكر والدك بهذه الطريقة".

علّق الوالد على شيءٍ مشابه "الرأيُ لا يُنقل مع الجينات"، وهكذا ببساطة يتعامل مع الموضوع بشكلٍ طبيعيّ وتلقائيّ، مانحاً إيّاي حرّية يتمنّاها كلّ شاب عراقيّ، في بيئة هي مختصّة بقمع الآخر، وقطع لسانه، رمزياً بالأقل!

ليس مهمّاً لي أن أعرف مَن على حق وعلى باطل في هذه المُعادلة، لا أبيض ولا أسود في معادلات الأفكار، ولستُ معنياً بمحاسبة والدي – وأنا أكبر من أن أفكر بطريقةٍ عاقة بهذا الشكل – وليس معنياً هو بقمع ابنه، أو استخدام سلطة الأب مع أفكاره، كلانا قارئٌ، وكلانا نؤمن بأن الرأي لا يُواجه إلاّ بالرأي.

كثيراً ما خيّبتُ آمال آخرين، بأن علاقتي مع والدي علاقةٌ ذهبيّة، وأنني مهما آمنتُ بما لا يؤمن به، فمن المستحيل أن أنسى أنني ولدتُ من صلبه، ومن مكتبته، ومن كفاحه ونضاله أيّام الحصار، حين كان يعملُ سائق تاكسي، وهو خرّيجُ كلّيتين، من أجل أن أكتسي بقميص، وأن لا يخلو بيتنا من خبز!

منحني الرجل الذي اسمه "وجيه عبّاس" حريّة الاختلاف عنه، ولم يبد انزعاجه حتى حينما كتبتُ 3 سنوات باسم "علي الموسوي"، ولم أحمل اسمه في الكتابة، يقول لي باستمرار "انت حر، وما تفعله أنت مسؤولٌ عنه، وأنتَ لستَ صغيراً أمام القانون والمجتمع وسواها من منظومات".

أنا سعيدٌ به، رغم كثرة أعدائه ومنتقديه، وأعلم تماماً أنه سعيدٌ بي، رغم كثرة أعدائي والمنتقدين لي، فما دام بيتُ العائلة دافئاً، تبقى الأفكار قابلة للتنافر والتقارب، وفي كل الأشياء التي اختلفنا بها، لم أضطر ولو لليلة واحدة، أن أعيش في قناةٍ أعمل بها، كان فراشي ثابتاً، ويبعد 30 متراً في منزلنا عن سريره. 

Top