بين الهوية الوطنية والطرشي

بين الهوية الوطنية والطرشي     2017/09/27 15:19 عدد القراءات: 3634




الصديق الباحث علي المعموري أضاء نقطة مهمة، في معرض حديثه عن غياب "هويّة الأمّة"، بمنشوراتٍ تداولها بعض الشباب، تسيء للشاعر والفقيه محمّد سعيد الحبوبي.

الأمر أكبرُ من تعاطينا مع الحبوبي، هو أمرٌ للتعاطي مع "الهويّة الوطنية"، تلك التي هشّمها الجميع، وساهم بتكسيرها قادةُ الطوائف، وتجّارها، حتى بقينا نمتدحُ أيّ امرئٍ له خطاب "عراقيّ"!

التصفير الذي حدث لحظة 2003، لم يُنتج أيّ بديل لهويّة العراق في عهد الديكتاتورية، الهوية الهجينة التي تؤدي في نهاية الأمر إلى شخص صدّام حسين، وتدريجياً، بدأت تختفي كلّ العناصر التي تجمعُ العراقيين تحتها، وصار الشيعيُّ مثلاً، يشعر بأن الشيعيّ ابن طهران، أقرب له من سنّي يسكن على مبعدة 200 متر عن منزله. ويشعرُ السنّي العراقيّ بأنّ السنّي السعوديّ في جدّة، أقرب له من الشيعي، وكذا الحال مع المكوّنات الأخرى، إلاّ مَن قبض على عراقيته، فكرة العراق التي تختلفُ بأذهاننا جميعاً!

تثبّتُ الأمم هويّتها بمسامير، تبدأ من الملابس والأغاني واللهجات، مروراً بالعناصر التاريخيّة، أحياناً تجمعُ "الدولمة" العراقيين أكثر من العلم، وربّما يجمعهم ناظم الغزالي أكثر من رئيس الجمهورية [تحياتنا لرئيس جمهوريتنا الذي لا نراه إلاّ كرديا!]، وهذه الهويّة تُصنع بالتراكم، العنصر الذي يفتقده العراق في كلّ حقبه، فكل طبقةٍ جديدة تعيد إنتاج كلّ شيء، بينما يكبرُ محاربوها ليسقطوها ويقوموا بإنشاء هوياتهم الخاصة.

تعملُ منظوماتٌ كاملةٌ لبناء الهويّة، وتنمو، في غضون عقودٍ قليلة كان محمّد مكية، وجواد سليم، ورفعة الجادرجي، وهاشم الخطّاط، وعشرات آخرين، يقومون ببناء عراقٍ جديد، بدأت نبتته مع تأسيس الدولة العراقية وإرسال أغلبهم إلى خارج العراق للدراسة، وحين بدأت الهويّة تُصنع، والعراقيون يرون أنفسهم تابعين لكيان اسمه العراق، ومع صعود عبد الكريم قاسم، بدأ البعث بإزالة هذا التراكم الطفيف، ليبدأ هويّته الشخصية هو، ووجهة نظره للعراق، حتى أُزيل تصوّره مع سقوطه عام 2003.

ليست المشكلة أن ما بعد 2003 هو عدم بناء هويّة وطنية، وان كانت هذه مشكلة عملاقة، بل المشكلة هو غياب كلّ الهويات، فحتى ما نظنّه هويّة "شيعية" أو "سنية" أو "كردية"، هي بالواقع عدّة هويّات، كلّ أجزاء الهويّة الشيعية تتصارع مع بعضها، وكذا الحال مع السنّة، والكرد، حتى ليغيب الصوت الواحد ولا شيء ليجمع أي مواطنٍ عراقيّ مع مواطنٍ آخر!

كان من الممكن أن تُنشأ دولة مدنية مع ذهاب صدّام، دولة يكون عمقُها الحضاريّ، الذي يسخر منه جلّ شبابنا الآن، هويّةً لجمعنا، العناصر التي لا تنتج فصائل مسلحة أو حروباً أهلية!، وكان ممكناً جداً أن يكون الذاهبون الى المتحف العراقي أكثر بكثير من الذاهبين لمناطق أخرى لا تصنع إلاّ الشقاق.

لا بُدّ من نقطةٍ تجمع هذا المجتمع المُنوّع، حتى وإن ازداد الخراب، وسيأتي ذلك اليوم الذي يرفع فيه الشاب العراقي رأسه حين يرى الثور المجنّح، ويفتخرُ بديوان محمّد سعيد الحبوبي، الذي حين يقرأه لا يأتي على باله أبداً، أن يخلط بينه وبين محال الطرشي في النجف الأشرف! 

Top