البصرة التي تعلّمنا

البصرة التي تعلمنا     2017/09/18 16:07 عدد القراءات: 2993




كلّما أدخلُ البصرة، أكون قد دخلتُها للمرّة الأولى، وهذه هي المُدن العظيمة، ليس لها وجهٌ واحد، آلاف وملايين الوجوه، التي تنتمي لعنوان واحد اسمه البصرة.

دخلتُها ناجياً مُصادفةً من التفجير الإرهابي الأخير على (سيطرة فدك) كما تُسمّى، لم أستطع تلقّيها مثلما أتلقاها كلّ مرّة، كان هناك هاجسٌ فيّ يفكرُ بالدقائق الخمس التي جعلت أبنائي، مصادفةً أيضاً، أبناء لا يتامى.

يختلفُ وجهُ البصرة عن وجهها كلّ مرّة، لكنه ينتمي لتلك الملامح العميقة، البوّابة المفتوحة على البحر، والتمر، والنفط، حيثُ كلّ شيء مفتوح، مثل حرف الألف بلفظ البصريين والبصريّات، والقوّة الداخلية للمدينة.

ورغم كلّ المشادات العشائرية، واشتباكاتها، ومشاكل الوافدين، وتبرّم عوائل البصرة، إلاّ أن روح المدينة المدنيّة، وبقاياها، بدأت تكبر وتتضح، رغم لعلعة الرصاص في الليل بين العشائر، وهذا ما تتم رؤيته خلال التجوال فيها.

في خليّة بصريّة كبيرة، مثل مول البصرة تايمز سكوير، تعرفُ وتتيقّن من أنّ المدينة مدنيّة حتّى النخاع، حتى إن أبدلتْ البذلة السموكن بالبشت، أو تغيّرت لهجتُها.

في وقتٍ يثير استغرابنا مظهرُها الرث، والنفايات، والرائحة الآسنة، لكن ايضاً لا بُدّ من الانتباه إلى نموّ اقتصاديّ لم يتوقف، وإن لم يظهر بشكلٍ واضحٍ وجليّ على وجهها، ومن الأشياء المُفرحة مؤخراً هو جسر محمّد باقر الصدر، الذي يسمّيه الأهالي (الجسر الإيطالي)، ويسمّيه الغاضبون بـ(جسر الفلتة)، الذي عبر عليه ماجد النصراوي الى مآله الأخير مع حقائبه المليئة بأشياء كثيرة!

للمدينة العراقية قلبٌ قويّ، حتى إن بدا ضعيفاً في بعض مفاصله، وهذه المدنيّة تتضحُ على وجوه نسائها، وتطلّع شبابها، وسعيهم الحثيث لبناء ذواتهم، ظواهرُ عديدةٌ لم أرها حتى في العاصمة، لكنني وجدتُها في البصرة، بشبابها وشاباتها تحديداً، ويكفي أن تجلس بمكتبةٍ لنصف ساعة، لتعلم عمّا أتحدث.

المرأة البصريّة امرأة قويّة، قوّتها ليس قوّةً وقحة، بل هي قوّة الاعتداد بالذات، حتى لكأنك لا تشعرُ بها، مثلما تشعرُ ببعض مواطناتها، بأنها هشّة، أو ضعيفة، أو تابعة للرجل، فالبصريّة هي نصفُ البصريّ، وليست تابعته.

البصرة تركيبة غريبة، المدن المفتوحة تثير قلقي بينما يثير أناسها اطمئناني، وكأنها مفتوحةٌ مغلقة، تتنقل بين النقائض بشكلٍ عجيب، ففي حين يعزفُ سعد اليابس على طبلته إيقاعات الخشّابة التي تربطُ بكلّ رائحة البحر والنواخذ العتيقين، وعلى بعد أمتار من القاعة التي يعزفُ فيها سعد، صورة فيها ما لا يقلّ عن 20 رمزاً عراقياً وغير عراقي، ينوجدُ اليابسُ في البصرة بإيقاع يديه، ويوجدون بإيقاع الرصاص، سعد يبتسم، هم يتجهّمون، سعد يرقّص، هم يُخمِدون مَن أمامهم!

ظلّت البصرةُ بالمنطقة الحرجة بين سعد اليابس، وما يمثّله سعد، وبين نقائضه، وهي تنتمي إليهما سويّةً، مثل رابعة العدويّة، البصريّة أيضاً، الغانية التي صارت "عذراء البصرة"، بنتُ الشيطان التي صارت ابنة الله!

وجوه البصرة تعلّمنا دوماً أن هذه الأرض تجمعُ النقائض، ولها قلبٌ قويّ، قلبٌ شديدٌ تحسّ بقوّته مهما بدا عليه الضعفُ، ولا أخيفكم أن التجوال في بغداد يمحو أيّ أملٍ بالمدنيّة، لكن مدنيّة البصرة، تتضحُ بشكلٍ كبير، رغم أن "الكَذلة" البصريّة مُحاصرة بعقالٍ ووجهٍ متجهّم وقماشة مرقّطة!

Top