صدّام 1991 – بارزاني 2017

صدام 1991 بارزاني 2017     2017/09/12 14:43 عدد القراءات: 8097




كثيراً ما تتخذُ الضحيّةُ شكل جلاّدها، لفرطِ ما ارتعبتْ منه، وطوردتْ من قِبله، وطاردتْه، حتى لكأنّك تقفُ حائراً عن الفصل بين الضحيّة والجلاّد بعد أن تكون المعركة عُمراً كاملاً، تتشابه الأصوات، والملامح، والتصرّفات، تتسرّب الأنساق مثل خيط نمل إلى الضحيّة، وأبشعُ ما يكون: أن يصبحَ الضحيّةُ جلاّداً، سيكون أقسى بكثير من الجلاّد "النورمال"، فهو يعلمُ أين مواطنُ الألم، وأشدّها.

لا أعلم لِمَ أتخيّل أنّ الزعيم الكردي مسعود بارزاني يضعُ صورةً شخصيّة للطاغية صدّام حسين في غرفته الشخصيّة، الرجلان – رغم ما بينهما من دم! – يتطابقان بشكلٍ كبير، الشخصيّة الثأرية، التي لا تسمعُ إلاّ صدى أنفاسها، والتي لا تُمانع اختزال قضية عملاقة مثل قضية "دولة كردستان"، بشقّها العراقيّ، أو بشقّها الإقليميّ، بشخصه وحده، أو المقرّبين منه!

لا أحد منّا ضدّ أن تقررَ الشعوبُ تقرير مصيرها، لكن كون هذه الشعوب أداةً للهو، بيد زعيمٍ واحد، وفي سنة 2017، في وقتٍ تتراجع فيه شعوب العالم عن ما يؤدي بها إلى مزيدٍ من الدم، أو الكراهية، فإن هذا الموضوع يبدو مضحكاً ومبكياً!

لا يعيشُ بارزاني إلاّ على الأزمات، ولهذا كانت أجملُ حقب حُكمه مع شبيهه العربيّ: نوري المالكي، حربُ تصريحاتٍ عملاقة، ومصافحات سرّية، الأوّل يخوّف الكرد من العرب، وأيقونة التخويف والتجويع هو المالكي، والأخير يخوّف العرب منه، باعتباره "انفصالياً اسرائيلياً يهدف الى تفتيت العراق"، وغيرها من القنابل الصوتية التي يبرعان بها جداً.

ما السيناريو المُنتظر؟ انفصالٌ أو استقلال المحافظات الكردية، يواجه رفضاً عملاقاً من بغداد، طهران، واشطن، دمشق، ولا يقفُ مع بارزاني حتى الأجنحة الطالبانية بشكلٍ واضح وجليّ، وما بينها هناك شعبٌ كرديّ، دولته ذات اقتصاد ورقيّ، يعتمدُ بشكلٍ كبيرٍ على السياحة العربيّة، ورؤوس الأموال العربيّة!

من مصلحة مَن هذه الفجوة الكارثية التي يكبّرها بارزاني بين العرب والكرد؟ وكيف يُمكن لأصوات العقلاء أن تكبر في حين أننا نسكن بسوق الصراخ، خصوصاً وأننا على أعتاب انتخابات: اشتم الكرد وبارزاني، وقرّب إليك العرب! كما قرّبتَهم حين شتمتَ السنّة، كما قرّبتَ السنّة حين شتمتَ الشيعة، وهكذا!

الأمرُ ليس عاطفةً تجاه خارطة موحّدة فحسب، الأمر ستراتيجيّاً مخيفٌ ويبعث على الرعب، ولا تحتمل البلاد مزيداً من الاقتتال، هل من المعقول أن بارزاني، ورغم خسائر البيشمركه، وفصائل شيعية، رغم خسائرها بحرب ضد داعش، يصعّدان الأمر لتكون هناك مواجهة؟! عجيب! ألم يتعبوا من دفن أبنائنا بهذه الحروب؟!

تشبه لحظة بارزاني الآن لحظة صدّام بعد قمع الانتفاضة الشعبانية، الزعيم الذي لا يرى غير نفسه، والذي يمضي مع قطارٍ الى لا وجهة، ويقفُ الجميع ضده، يقولون له "هذا خطأ"، ويستمرّ مُستنداً على حسٍّ قوميّ، أو حزبيّ، أو ما شابه، حتى نراه وقد حطّم كلّ مدلولات قضيّته الكبرى!

هل بدأ بارزاني بهندسة نهايته؟ وإلى أيّ مدى ستنجح خطّته الأخيرة؟ التي لوّثت حتى الحلم العظيم للكرد بدولةٍ تضمّهم؟ وإلى متى هذه العضلات الصوتية، التي لا تأتي أبداً في الوقت المناسب؟

بقدر ما يثير الشعور القومي من مكاسب آنيّة، بقدر ما يدلّ على خسرانٍ أكبر مُستقبلاً، وأعلم تماماً أن الكرد يستحقّون حياةً بلا رصاص، ولا إثارة عضلات تهدّد كلّ شيء، وتعجز عن توفير اقتصاد قويّ لمحافظتين او 3، فحسب!

أما آن للزعماء أن يجعلونا نعيش بحياةٍ أكثر هدوءاً، وأن لا يفتحوا أبواباً جديدةً للدماء؟! أما آن للزعماء أن يمدّوا أرجلهم بقدر طول أغطيتهم، وأن لا يفكّروا بسيناريوهات، أبسطها يُسقطُ آلاف القتلى؟

ماذا فعلتَ بنا يا صدام؟! 

Top