هيا بنا ننتخب

هيا بنا ننتخب     2017/09/06 20:50 عدد القراءات: 1469




بعد يومين لا ثالث لهما سوف أدلي بصوتي. السبت المقبل في الساعة العاشرة صباحاً بالتحديد سوف أغتسل غسل الانتخابات وأرتدي ثياب الديمقراطية ثم أرشّ خدَيّ بنصف زجاجة كولونيا سليمة المنشأ، وأذهب إلى المركز الانتخابي القريب من بيتي. هناك سأخطو بثقة كبيرة نحو صندوق صغير تجلس خلفه موظفة أنيقة، تبتسم لي وتختم الورقة ثم تشير إلى الشق في الصندوق ولسان حالها يقول: "تفضل يا سيّدي، من هنا اصنع مستقبلك."

هذا بالضبط ما سأقوم به يوم السبت وربما أشفعه بصورة سيلفي للذكرى. أعلم بأن المعركة ستكون شرسة هذه المرة، وأن اليمين يزحف منذ سنين نحو تثبيت أقدامه في السلطة بعد أن فاز في الدورة الانتخابية الماضية، ولكن اليسار ما زال يستحوذ على قلوب الكثير من الناخبين ويعدهم بأنّ البلاد لن تتنازل عن اعتدالها، سيما في ما يخص ملفات الساعة، كفرص العمل والاندماج والهجرة والإرهاب، وأنّ الكرة في ملعب الشعب، وبما أنني فرد ضمن هذا الكيان المسمى الشعب، فيلزمني تمرير الكرة بشكل سليم.

بيني وبينكم؛ ما زلت حائراً بين أحزاب اليسار، رغم ترجيحي لحزب العمال النرويجي على منافسيه. اطلعت على برنامجه الانتخابي وقرأت شعاره "الكل سيكون معك." الذي أطلقه يوناس غار ستوره، رئيس الحزب ومرشحه لمنصب رئيس الحكومة وما زلت حائراً بعض الشيء. أتذكر بأن السيد يوناس قال في أول خطاب انتخابي له: "أنا يوناس غار ستوره، عمري ٥٦ عاماً، لا أملك غير بيتي الذي ما زلت أدفع أقساطه إلى البنك، وسيارتي الشخصية، وراتبي الشهري. لم أتجاوز على القانون يوماً في حياتي ولم أرتكب سوى مخالفة يتيمة ما زلت نادماً عليها، كان ذلك في عمر الثامنة عشر، يومَ حصولي على رخصة القيادة. كنت فرحاً حينها ونسيت نفسي، فتجاوزت السرعة بمعدل ٣٠كم في الساعة. أعدكم بأنني لن أخالف القانون حتى أغادر هذه الحياة، وبأنني سوف أكون صديق الجميع، ولا أفعل إلا ما يسعد الشعب النرويجي ويرضيهم."

كنت أستمع إلى خطاب السيد يوناس غار ستوره الذي بثته القناة النرويجية الأولى، وأنا مستلقٍ على القنفة، فأغمضت عينَي وتذكرت زميل الدراسة المدعو فاضل خيسة يومَ أجريت انتخابات "قدوة الصف" آنذاك، وهو منصب شرفي كان يُمنح للطالب الشاطر والذكي والنظيف. تذكرت كيف أخرج فاضل خيسة سچينة أم الياي من جيبه ووقف على الرَحلة وخطب بنا: "بسم الله الرحمن الرحيم.. أنا فاضل رزاق نوري، مرشح الصف الخامس باء، إللي ينتخبني ينتخبني، وإللي ما ينتخبني أشگ حلگه وحلگ الخلّفوه.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته." ومع أن الاقتراع كان سرياً وقتئذ، ومع أننا نعرف جيداً بأن فاضل رزاق نوري ساقط وسرسري وما يسبح في غير الأعياد والمناسبات، إلا أننا منحناه أصواتنا ليفوز بالأغلبية الساحقة ويصبح قدوة الصف.

فتحت عينَي، كان "الزنديق" يوناس قد أنهى مؤتمره الانتخابي بعبارة "شكراً لإصغائكم" وبدأ يشارك الجمهور التصفيق وهو مبتسم، فأغلقت التلفاز وقررت عدم انتخابه. سوف أمنح صوتي لمرشّح يفتتح خطاباته بِاسم الله ويختتمها بِاسم الله، حتى لو كان ساقطاً على شاكلة فاضل خيسة.. شكراً لإصغائكم.

Top