لماذا دخلتم فيسبوك أيها الكبار؟!

لماذا دخلتم فيسبوك أيها الكب     2017/08/17 11:13 عدد القراءات: 3699




نشر الشاعر سعدي يوسف، قبل أيام، قصيدةً على صفحته في فيسبوك، وهذه القصيدة تنتمي لسعدي السبعينيات، سعدي المذهل الذي ما زال يُذهلنا شعره، وفي هذا الأمر لم يبق ما لم تتم كتابته.

وعلى غير العادة، حفلت القصيدة بمئات التعليقات، استرعاني منها تعليقٌ واحد، كتبه شخصٌ ينتمي لمدينةٍ بعيدةٍ جداً عن العاصمة، كتب لسعدي "لو ضا... أحسن لك".

أفهمُ تماماً، أنّ هذا الشخص، لم يكن يسمع بسعدي يوسف، لولا إساءته لعبد الوهاب الساعدي، أيقونة الجيش العراقي الذي حرّر الموصل، وأجزم أن هذا الرجل لم يطّلع على أيّ كتاب من كتب سعدي السبعين، أو الثمانين كتاباً، بين الشعر والترجمة والسرد والمسرح.

منذ أكثر من عقد، وسعدي يوسف يشكّل لنا عقدةً كبرى، حين تحوّل من شاعرٍ كبيرٍ إلى شتّام، الأمر الذي جعل "الرعاع"، كما يحلو لي تسميتهم، أن يحطّموا سعدي كاملاً، أعني: الشتّام فيه، والشاعر الكبير!

والفصلُ بينهما، يحتاج عقلاً حديدياً بلا أهواء، وبلا عواطف، ففي غمرة فرحي بعبد الوهاب الساعدي، وانتصارنا، كان سعدي ينبشُ جروحنا بنصٍّ سخيفٍ، مسيءٍ لعبد الوهاب، لكن هذا لم يكن مبرراً لأيّ أحدٍ للإساءة لشعر سعدي، وأثره في الثقافة العربية والعراقية.

الأمرُ لا يتعلّق بسعدي فحسب، كثيرون من أساتذتنا الذين كنا نجلُّ أسماءهم دون أن نراهم، فقدوا تلك الهالة، هالة السرّانية العجيبة، وصاروا "أونلاين" أمامنا، وأحيانا يضعون الإعجاب على ما نكتب، بعد أن رضعنا كتبهم ولم نُفطم منها حتى الآن.

يقدّم الفيسبوك العراقي، فيما يخصّ علاقة المتلقي بالمثقف، أسوأ أنواع هذه العلاقة، فالمُثقف مهما فعل، هو المأكول المذموم، هذا إن تحدثنا عن أسماء متواضعة في الثقافة العراقية أو العربية، والكل مشمولٌ بالشتيمة، ففي أفضل الأحوال: المثقّف متهتّك، شاربٌ للخمر، وينام في الشارع، ويتكلم كلاماً غير مفهوم!

من غير الممكن تجاوز عقدة النقص الأزلية تجاه المثقّف القارئ، هل اذكركم بقصّة (غرف نصف مضاءة) للراحل موسى كريدي؟ حين يحذّر العتّالُ بطلَ القصّة من القراءة لأنها تسبب فقدان العقل؟ وكيف أنّ أشهر مقهى يلتقي فيها المثقفون في شارع الرشيد، هي مقهى تمّ الاصطلاح عليها بـ"مقهى المعقدين"؟

تدريجياً، بدأت الشتائم المضحكة، تتحوّل إلى خطاب، والخطاب يتحوّل إلى نسقٍ مضمرٍ وظاهر في علاقة المتلقي بالمثقف، حتى وصل الأمر بأن يُشتم شارع المُتنبي ومَن فيه، من ناس لا أصل لقراءاتهم أو مصادر ثقافاتهم غير النسخة الرديئة من التديّن الشعبي، أو بأفضل الأحوال: الفيسبوك.

كثيرون ممّن شتموا سعدي يوسف، وهو يستحق الانتقاد اللاذع على موقفه المسيء تجاه عبد الوهاب الساعدي، لم يقرأوا كتاباً لسعدي، ولا يعرفون قيمته، وهم كذلك لا يعرفون قيمة أيّ أديب آخر، فكيف تعرفُ قيمة امرئٍ دون أن تقرأ له، وعنه، وما يحيط به؟ عليَّ أن أسردَ لأيّ منهم، تاريخ الشعر العربي بشكلٍ موجز، من الجاهلية حتى جيل الروّاد (والحديث هنا عن أكثر من 2000 سنة) لتبيان أهميّة سعدي، أو مَن يشبه سعدي!

أتاح الفيسبوك تحديداً، تفريغ عقد النقص، ضدّ المثقف، ضدّ الصحفيّ، ضدّ الطبيب، ضدّ المهندس، ضدّ الأكاديمي، ضدّ كلّ مَن يمتلك عقلاً أو يعمل على سبيل امتلاك العقل، من قبل رعاعٍ أقصى ما يُمكن كتابته لديهم، غير الشتائم، هي كلمة "منوّر".

أزال الفيسبوك قواعد السلوك، وبدأت تنقلبُ معادلات السلوك البشري بشكلٍ قبيح ومريع، وكلّ شيءٍ صار نقيضه، بشكلٍ طبيعيّ، حتى صار الفيسبوك "مصحّة عقلية" كبيرة، مع استثناءات قليلة، وليست هنا المشكلة، لكننا – أعني الصغار – ربما قريبون من مزاج الشارع وانقلاباته، لكنكم، أيها الكبار، لماذا دخلتم فيسبوك، وأزلتم قداسة المعنى بحضوركم الألكتروني؟! 

Top