الركابي يفضح ستراتيجيتنا الثقافية

علي وجيه     2017/11/29 10:25 عدد القراءات: 9769




وليس الروائي العراقي عبد الخالق الركابي لوحده، بفوزه بجائزة سلطان العويس هذا العام، تكريماً على مُجملِ منجزه، أقول ليس وحده مَن أشار لخللٍ كبيرٍ جداً في ستراتيجيتنا الثقافية، قبله كان سعد محمّد رحيم وهو يفوز بجائزة كبيرة في قطر، وقبلهما الروائي أحمد سعداوي حين فاز بالبوكر، وكلّ عراقيّ يمثّل الأدب العراقي خارج العراق.

كلّهم أشاروا لذلك دون قول..

الموضوع وما فيه، أن التقاليد الثقافيّة، تلك المتعلّقة بنسق الاحتفاء، والتقييم، صارتْ على طرفيْ نقيضٍ مُخجل، الأول يمثّل احتفاءات بالمئات لا قيمة لها سوى شهادة تقديريّة طُبعت على عُجالة في شارع المتنبي، واحتفاءات ثانية تكون ركيكة على مستوى الدولة ووزارة الثقافة، وليس بعيداً القول إننا لا نمتلك أيّ جائزة، أو تكريم من شأنه أن يجعل الأديب يفتخر به، فالأمرُ تراكميّ، ويستدعي وجود أموال، وتنظيم، وحركة طباعة، وما سواها، تجعل الأديب الفلاني يعتزُّ كونه حصل على هذا التكريم "العراقي" غير الموجود!

يُغيّب الأديب هنا، نصّاً وثقافةً وجسداً، يطبعُ خارج العراق، ويُحتفى به خارج العراق، وأكوام الموظفّين الفضائيين في وزارة الثقافة الذين ليس لديهم أيّ فكرة عمّا يجري خارج أسوار الوزارة!

الموضوع ليس مقترنا بالعراق الجديد، في التسعينيات، وما دمنا نتحدث عن جائزة سلطان العويس، لم يتمكن الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر من شراء منزل إلاّ بفوزه بهذه الجائزة، ولم تكن الجائزة إلاّ نقلة ماليّة ممتازة لأدباء سحقهم الحصار الاقتصادي، ورغم المليارات التي سالت في العراق بعد 2003، إلاّ أن الأديب بقي كما هو!

ما الذي ينقص العراق لتكون له جائزة مثل جائزة البوكر، العويس، تكريمات البابطين، كتارا، وأي جائزة أخرى، إن كانت تخصّ عملاً مفرداً أو على مُجمل السيرة الإبداعية؟ تنقصه الستراتيجية، خصوصاً وأن الطبقة السياسية لا تفكرُ بوزارة الثقافة إلاّ بوصفها وزارة "اكسسوار" على عنق المحاصصة الطائفية، والفترة الوحيدة التي خُصّصت لها أموال جيدة، كانت أكبر فضيحة مالية حملت اسم "بغداد عاصمة الثقافة"!

غياب هذه الستراتيجية، لم يضع لدينا حاضنة ثقافية، لدينا أفرادٌ مثقفون بالمئات، وكلّهم مُنتج، ومهم، في الأكاديمية والشعر والتشكيل والنحت والقصة والنقد وغيرها، لكننا لا نمتلك مؤسسات من شأنها أن تكوّن ظاهرة، ومع مقارنة بسيطة نحن لا نمتلك حتى مقاهيَ ثقافية إلاّ معدودات على اليد الواحدة، وليس هناك أكثر من 5 غاليريات في العاصمة بغداد بأكملها!

الركابي، وكلّ أديب عراقي يشعُّ في الخارج، فضح غياب الستراتيجية الثقافية، كما سيفضحها غيره فيما بعد، حين يفوز بجائزة، ولن تقوم وزارة الثقافة، ولا مؤسسات الدولة الأخرى، بأيّ شيءٍ يُذكر تجاه الاحتفاء بهذا الأديب أو ذاك، سنفرح ونحن نرى تكريم الكاتب في الإمارات، وكتبه تُطبع ببيروت، وتُقام له جلسات في عمّان، ويُدعى للجزائر بمعرض الكتاب، بينما يستقرّ وزير ثقافتنا العتيد فرياد راوندزي في مكتبه، وبجانبه تمثالٌ سخيفٌ من أعمال خليل خميس! 

Top