شاف ما شاف!

شاف ما شاف     2017/10/08 14:04 عدد القراءات: 635




الأبطال المفلسون يفكرون بطريقة مثالية وهوائية وفقاعية!، وجدول أعمالهم حافل بالمقاومة وما "ينبغي أن يكون". حتى هواياتهم وأذواقهم الفنية تتناسب مع وضعهم المفلس. وسيكون "كاظم شنَيَنَة"، "حسين سعَيدة"، "سلمان المنكوب"، و"عبادي العماري"، الأصوات التي تعوّض عليهم وحشة المفلسين.

حاجة الحفاظات وإيجار البيت والمصروف اليومي، تجعل المفلس يتصرف على طريقة “البكـَ فاير"، ولا يبقى في دماغه شيء صالح للاستعمال، كل الوايرات معطوبة ومتفحمّة. وحينما يتناهى إلى سمعه حديث العَلمانية والليبرالية والديمقراطية يتصور كما لو أن أحد "يفشّر" عليه، ويلعن أحد أجداده.

يشم رائحة الدولار المغرية، ويختلس النظر لصوره الهندسية ونقوشه الجميلة، ويتمتم بأغنية سلمان المنكوب الشهيرة "أصب دمعة على دمعة". يتفرّس أصحاب الخدود المتوردة كيف يلتهمون قطع الكباب الطازج بطريقة كفاحية تذكّره بثورة البلاشفة الأشداء.

في هذه اللحظة الثورية يستحضر روح زوجته التي أرهقها "سطل" الماء لملأ المبردة المثقوبة، ويغني، هذه المرة، بصوت عالٍ ويطلق لحنجرته المتعبة العنان وهو يدندن أغنية عبادي العماري "سامحيني".

يتمتع صاحبنا بخيال عذب وإحساس مرهف في خلق المشاكل حتى لو كانت في سابع طبقة من الأرض. ودائماً يستحضر الحوارية التاريخية التي جرت بين "عدنان" و"عبسي"، فهي مثاله الأعلى الذي يقتدي به، وحلم اليقظة الذي يبدد رعب الفقر الذي يستوطن روحه.

لايهدأ له بال مادام الفقر والتخلف حاضرا،ً ويريد تحرير الناس من أزمة الفقر، حتى لو تطلب الأمر تحرير شعوب أمريكا اللاتينية على يديه . يطبق مقولة "الإفلاس لادين له" بحرفية عالية، ويمكنه بين ليلة وضحاها إشعال ألف ثورة فرنسية وإشعال ألف شمعة في ظلام العالم.

يظهر "التغليس" في أول لحظة استنشاق لرائحة الدولار وأول نظرة لرموزه الجميلة وطلائه الأخضر الساحر. وداعاً لسلمان المنكوب، وكاظم شْنَيَنَة، وحسين سعيدة. لقد فتح الله أبواب الجنّة لشيخ المفلسين فلا ثورة ولا نهضة ولا بطيخ.

لقد أعدم كل المطربين الشعبيين في ذاكرته المتعبة، وأصبح البيانو والكَيتار، وكاظم الساهر وماجدة الرومي وشيرين، أصوات النغم التي يطرب لها. حتى انه يفكر بشراء اسماك الزينة وقطة بيتية حلوة ولبس الروب الحريري واستخدام الغليون، بدلاً من السكَائر الرخيصة وارتياد المسرح حتى لو لم يفهم لغة الممثلين.

كلما زادت الرزم الدولارية السمينة تجتاحه رغبة مسعورة بالاستهلاك ويكدّس أشياء لا يحتاجها. لا يريد سوى إشباع رغبة الفقر التي لا يحسن التعامل معها. يتحول الجمهور المعذّب إلى قطيع وجهلة، ولا يقدرون الثقافة والفن والموسيقى والمسرح. جمهور "الهوسات" و"الهجع" و"اللطميات".

مثل هذا الجمهور لا يعجب مفلسنا السابق، فقد تعرضت أفكاره إلى ضربة "ديالكتيكية" قاتلة وفي الصميم . أصبح ميزانه الذي يزن به القضايا، هو الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان، بل حتى حقوق الحيوان لكي لا ينسى قطته المدللة.

وهكذا بين الغنى والفقر مساحة " فِلْكَة "، لان المفلس القديم التف على أصدقاء الأمس رفاق الخبز اليابس والباذنجان والفلافل، واستبدلهم برفاق الصالونات والمقاهي الليلية العامرة المخصصة للمثقفين أمثاله!، ولابأس ببعض العلاقات التي تشرح القلب (وتشرح بعض الأشياء الإضافية) من الصبايا الحلوات، والله يرزق الجميع.

Top