ليبرالية مغتربة

رعد اطياف     2017/12/10 17:45 عدد القراءات: 32665




ذكر الليبرالية في السياق الثقافي العربي يشبه إلى حد ما استخدام المجاز في اللغة. فحينما نقول " ليبرالي عربي" كما لو إننا نستخدم المفردة مجازاً لا حقيقة؛ فالواقع يخبرنا أن القوم نذروا أنفسهم لقضايا ميتافيزيقية لا وجود لها إلّا في أذهانهم، باستثناء القلّة القليلة من ذوي النوايا النبيلة، الذين يقدرون حجم الواقع وإمكانياته.

يمكن لحقوق المثليين والاعتداء على الراقصات أن تلهب وجدان الليبراليين" العرب وتشعل فيه الحرائق، ويُخَيّلُ لنا كما لو أن هناك ثورة ليبرالية إنسانية على وشك الحصول في المنطقة العربية. وهم - بعلم أو جهل- يجهدون مخيلتهم في قضايا سابقة لأوانها لعدم وجود المقدمات الضرورية لهذه الحقوق. ومن أهم الركائز والمقدمات للوصول لهكذا حقوق متطورة للغاية، هو النهضة الاقتصادية التي تتبعها تغييرات تطال البنى الاجتماعية والمفاهيم الراسخة.

وعلى الرغم من هذه المقدمة أعلاه، غير أن هؤلاء يستبسلون لما هو سابق لأوانه بكثير، ويظهر أنهم يتخذون هذه القضايا من باب تقضية الوقت والرغبة بالتميّز، ومحاولة استجداء الإعجاب من الغرب. وبما أن لكل قاعدة استثناء، لذا نجد استثناءات كثيرة في جعبتهم، لكنّهم يتفقون على قاعدة ذهبية لا تقبل التخصيص أو الاستثناء، وهي بمنزلة القاعدة المنطقية التي يقيسون عليها الحقوق الإنسانية، وقاعدتهم تنطلق من التركيز على الإسلام والمسلمين، وبالدرجة الأهم " الإسلام السياسي"، لأنّه يروّج للخرافات ويشرّع لقتل الأبرياء، ويفسد عقول الشباب بأحلام الدولة الإسلامية.

هذه هي الكلمة السحرية التي تستولي على عقولنا حد الدهشة والاستحمار معاً! وهم محقون تماماً فيما يتعلّق بلصوص الإسلام السياسي، إلا أن الخرافات تتفاضل فيما بينها؛ فخرافة الإسلام السياسي ملح أجاج، وخرافة الدولة الصهيونية و" أرض الميعاد" عذب فرات، وبتعبير أوضح، إن كل خرافات اليهود التي يشرعنون بها نفوذهم السياسي تبقى استثناء في ضمير بعض " الإنسانيين"، ويصرحون(الإنسانيون) أن إسرائيل ديمقراطية عَلمانية ليبرالية وهلّم جرّاً.

أن التركيز على" خرافات المسلمين" هي الكلمة السحرية التي تطرب قلوب الجنس الناعم، وقلوب الذين يعانون من فقدان النموذج وتفشّي روح العدمية فيهم، وتثير (عسى ولعل) أعجاب الليبرالية الغربية، وهذا هو الأهم.

ثم أن الضحايا يتفاضلون فيما بينهم في قاموس ذوي النزعة الإنسانية الجدد؛ فكلما كانت الضحية لا تنتمي للمنظومة الدينية، كانت إلى حقوق الإنسان أقرب وألذّ وأشهى!، لأنها تقترب من الوجدان الإنساني المرهف. وما عداه تتضارب الاجتهادات. إن المتدين إذا تعرّض للحبس أو التعذيب أو الاعتقال القسري، سوف لا يحظى بمكرماتهم السخية، وتبقى الانتقائية في المواقف الميّزة الأبرز في هذا السياق.

هل ننتظر منهم موقفاً(ليبرالياً) تجاه الوضع الإنساني للفلسطينيين، وينظرون بعين الإنصاف لضحايا الطرفين على الأقل؟ كلا!، فذلك سيفسد متعة الإعجاب التي ينتظرونها من المعسكر الغربي السياسي، فلا أحد يمكنه التفريط بمتعه الشخصية، فهل يعقل أن يتخلّى الإنسان عن دونيته دفعة واحدة، فهذا لا يحدث إلّا من خلال الطفرات الجينية من جهة، ولا يحقق مصادر رزق جيدة، فسبحان مقسّم الأرزاق.

Top