جَملٌ عاشق وعجوز عنصرية

جمل عاشق وعجوز عنصرية     2017/07/26 20:00 عدد القراءات: 2139




 

الشمس سخيّة هذه الأيام، على غير العادة، والحرارة تتجاوز العشرين بثلاث درجات أحياناً. مثل هذا يعد استثماراً لنا نحن القابعين في اسكندنافيا الباردة، ومحرّضاً على الخروج من البيت. ولأنّي لست على حال مع البحر والشواطئ الرملية، قررت أن أذهب برفقة الأولاد في رحلة إلى حديقة الحيوانات.

كان المكان أقرب إلى الجنة منه إلى حديقة. الغابات كثيفة والبحيرات مسوّرة بالورد، والأسماك تتراقص تحت الماء برقة وغنج. أما القردة والنسانيس فمطلقة على الأغصان بين الزائرين، تحيي هذا وتداعب ذاك. زاد الأمر جمالاً طيور الفلامنگو فائقة الجمال التي تسرح بأمان رغم زئير الأسود الذي يصلها من بعيد. كان المصمم ذكياً، قسّم الحديقة بحسب القارات ووضع لافتة تشير إلى كل قارة. تريد الفرجة على الفهود والنمور الأفريقية مثلاً اذهب من هنا إلى أفريقيا. تريد الغزلان وحيوان الرنّة ودبب الشمال، اذهب من هنا إلى أوربا. تريد مشاهدة الجِمال والأحصنة الأصيلة، اذهب من هنا إلى آسيا.. وهكذا، تتخلل الأقسام محطات استراحة ومطاعم تقدم أطعمة وأشربة مختلفة.

لقد وقع اختياري على آسيا وقرّرت أن أبدأ بها أولاً، لا أدري لماذا؟ لكن حنيناً جذبني نحو الاسم، فأنا آسيوي الولادة والنشأة. أخرجت إذ ذاك هاتفي الجوّال واتجهت مع الأولاد نحو آسيا. كان النرويجيون يلتقطون صور السيلفي مع الجِمال المسالمة، وكان الأطفال يرددون: "سَ سَ، دَ آر كاميَل" وتعني انظر انظر هذا جمل. أنا أيضاً كنت مندهشاً لصورة الجمل وهو يطخطخ أنثاه أمام مرأى ومسمع الجميع. كان جملاً عاشقاً يداعب الناقة الخجولة ويمد رأسه أمام كل كاميرة يريد صاحبها أن يلتقط معه سيلفي.

التقطت للأولاد درزن صور معه، ثم قرّبت رأسي منه وصوّرنا سيلفي. كان أول سيلفي لي مع حيوان، وكنت أضحك مبتهجاً مثل طفل، لكنّ عجوزاً عنصرية أفسدت الأمر. كانت برفقة حفيدتها، شزرتني بعينها حين رأتني أداعب الجَمل، ثم اقتربت مني لتسأل بعد أن عرفتني عربياً من سحنتي: هل يُعقل أن تترك حيوانات الحديقة كلها وتأتي لزيارة الجَمل أيها العربي؟!

ضحكت في سرّي للصورة الراسخة في عقول الآخرين عنا، فأغلقت الهاتف ورحت أشرح لها بأنّ ليس كل العرب بدواً رُحّلاً، وأنّي لم أشاهد الجَمل سوى مرة واحدة في حياتي. هزّت العجوز رأسها موافقة، لكنّي لا أظن بأنّ صورة البدوي قد تغيّرت في عقلها رغم أنّي كنت أرتدي الجينز، وأضع على عينَيّ نظّارة مشابهة لتلك التي يضعونها، لذا قطعت زيارتي للقسم الآسيوي من الحديقة واتجهت نحو قرود أفريقيا الجميلة. سمعتها تهمس خلفي لحفيدتها بصوت تقصّدت أن يصلني: "الله أكبر.. الله أكبر" في إشارة إلى "إرهابيتنا" التي منحتنا إياها أشكالنا العربية الخالصة! تعكّر مزاجي حينذاك تماماً وانقلب يومي إلى نكد، فغادرت أسوار الحديقة كي أدخن سيجارة. كنت أنفخ الدخان هناك وألعن الساعة السودة التي ولدنا فيها قرب جزيرة العرب. في النهاية لممت عيالي وعدت إلى البيت لأكتب لكم، علّني أستريح.

Top