كي لا يتعطل الريموت كونترول

كي لا يتعطل الريموت كونترول     2017/07/19 14:49 عدد القراءات: 3812




يقول أبو صلاح، سائق التاكسي العراقي الوحيد في هذه المدينة بأنه لا يملّ ولا يكلّ من مشاهدة التلفزيون، وأنه وبالرغم من كل مغريات السوشيال ميديا ما زال وفياً لذلك الصندوق السحري ذي التسعمائة قناة ونيّف. كان الرجل يحدثني وكأنه مقطوع عن العالم بشكل شبه تام، ليس لديه حساب على فيسبوك ولا يعرف طريق تويتر ويضحك حين أسأله عن سناب تشات وأخواته. أبو صلاح السائق لا يعرف سوى تلفزيون فيليبس تحديداً، يعشق صورته ولا يقوم من أمامه إلا في ساعات العمل والنوم.

كنت البارحة قد احتجت إلى طلب تاكسي على الهاتف كي يقلني إلى المستشفى لإجراء بعض الفحوصات الطبية، وكانت الشركة قد اختارته لهذه المهمة. رجل خمسينيّ، ذو قوام متوسط، تخبرك سحنته من بعيد بأنه عراقي الأصل والفصل والدين والمذهب. بادرني بالسلام عند فتح الباب، ومدّ يده مصافحاً ومعرّفاً عن نفسه. قال بعد أن أدار المحرّك وضغط على دواسة البنزين بأنّه ذات يوم شاهد وثائقياً يؤكد بأنّ أهل بلاد الرافدين مميزون، تعرفهم من أنوفهم الكبيرة وسحنتهم الخابطة.. أنعم الله عليك أبو صلاح.

كان سائقاً أنيساً يرمي الكلام بداعي المزاح والضحك، وكان حديثه الشيّق عن تعاطيه مع التلفزيون والقنوات التي يدمن على متابعتها قد أنساني الوقت وقصّر المسافة إلى المشفى. أخبرني بأنه يتابع ناشيونال جيوغراقي والجزيرة ديكيومنت وبعض القنوات الوثاىقية الناطقة بالعربي وبالنرويجي. يقول بأنه يمد جسده كل مساء على القنفة أمام الشاشة بعد حمام دافئ يزيل عن جسده غبار العمل، ويبدأ بالتقليب بواسطة الريموت كونترول بين القنوات الآنفة، فإن لم يعثر على ما يشبع غريزته الوثائقية انتقل إلى قنوات الأفلام المترجمة شرط ألا تكون أفلام أكشن.

ما تحب الأكشن أبو صلاح؟ أموت منه. ليش؟ لأن حياتنا خلصت أكشن في أكشن.

لا يحب أفلام الأكشن ولا الخيال العلمي ولا برامج السياسة ولا الكذب المسفّط، أبو صلاح يحب المعلومة والقصة والحكاية وبعض الضحك، ولا شأن له بما دون ذلك، أما نشرات الأخبار فلا يطيق حتى الاستماع إلى مقدماتها الموسيقية، بل لا يتابع حتى النشرات الجوية رغم أهميتها.

غزيراً كان الرجل بمعلوماته العامة ولو أن الطريق قد طال قليلاً لاختبرته بعواصم العالم أجمع وتواريخ تأسيسها وأنواع الحشرات والزهور فيها، لكننا وصلنا المستشفى وصار لزاماً عليّ توديعه. أعطيته الأجرة وأخبرته بأني سأروي حكايته على صفحات فيسبوك لعل البعض يتوقف عن متابعة فضائيات الفتنة وصب الزيت على النار، فرد وهو يمسك بيدي: لا تتعب نفسك، فهذا الصنف من الناس لديه ريموت كونترول معطّل، لا يقدر على تغيير القناة عما يغذّي عصب الكراهية في رأسه، دعهم وشأنهم فلربما اتهموك بالـ فايخ. شكرته وقلت: لا بأس أن يتلقى الحريص المحب بعض الحجارة يا عزيزي.. دمتَ بخير.

 

Top