عاشقة الشرق

عاشقة الشرق     2017/07/12 18:14 عدد القراءات: 2861




 

تجمعني بالسيدة كاميليا علاقة صداقة لسنوات طويلة. كانت هذه المرأة وما زالت واحدة من المهتمين لأخبار الشرق الأوسط، والمواظبين على متابعة الأحداث هناك. تقول بأنها تجعل من قناة الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية واحدة من قنواتها المفضلة على جهاز الاستقبال، وأنها تتسمّر أمام الشاشة ما يزيد على الخمس ساعات في اليوم لمشاهدة ما يجري في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان ومصر..إلخ. تعشق الشرق الأوسط كاميليا وتتمنى لو أنها ولدت هناك. يابه ليش؟! لأنّ في الشرق سحراً صنعته الأساطير والموسيقى والشعر والفنون..

تصوّروا أنها تعلّق في بيتها أربع لوحات ثمينة تنتمي كلها إلى فن المستشرقين، وأنها تسمع موسيقى الأخوان رحباني في الصباح، والموسيقى الصوفية في المساء، بينما تدندن بتقسيمات المقام العراقي وتحفظ حفنة كلمات عربية تقول بأنّ أحلاها: "هلو حبيبي"!

سألتها ذات يوم وكنا في الطريق إلى اجتماع لدى مكتب رئيس التحرير يومَ كنا زملاء في تحرير قسم الشرق في الصحيفة عن سر اهتمامها بتعلم اللغة العربية، فقالت: "لكي أذهب إلى شارك متواست." شتسوين بالشرق بالمتوسط يَا مفلوكة؟! "أرقص وأغني وأستمع لحكايات الناس هناك.. أحب الشرق يا صديقي، فيه سحر عجيب."!

بصراحة؛ أنا لا أدري إن كان الزمن متوقفاً لدى صديقتي العاشقة هذه أم لا، ولكن حديثها عن الشرق يقول بأنها تعني شرقاً آخر ربما يعود إلى تاريخ ما قبل حرب الخليج الأولى على أقل تقدير، فهي تتحدث عن شرق يغنّي ويرقص ويأكل مما تصنع يداه، عن شرق ساحر يغري المستشرقين والسُيّاح وتجّار الأنتيكة! كاميليا تحكي عن الشرق وكأنّها لم تسمع بحرب الثمان في العراق ولم تقرأ عن عاصفة الصحراء ولا عن الحصار الذي طحن عظام بغداد! تصف الشرق وكأنها لم تسمع بالمصيبة التي وقعت على رأس سويا والفتنة التي هدّمت دمشق وجعلتها ساحة حرب! تتغزل بالشرق وكأنّ أحداً لم يخبرها، حتى الساعة، عما يجري لأطفال اليمن وما يحدث في صنعاء المسكينة!

غريبة هذه المرأة تتصرّف وكأنّ الأوبديَت متوقف لديها مثل آي فون قديم! لم أجبها ولم أعلّق على رغبتها في الذهاب إلى الـ "شارك متواسّت". أتذكر بأنّي بادلتها ابتسامة مجاملة يومَذاك مفضّلاً الصمت. لكنني، البارحةَ حين رأيتها بطريق الصدفة في المكتبة العامة بعد فراق طويل، نويتُ أن أستمع إلى رأيها بـ شرق ما بعد داعش، وعن رغبتها القديمة في زيارة الشرق. لقد كانت متأثرة لخبر تحرير الموصل الذي نشرته الصحافة النرويجية، فقفزت حين رأتني، باركت لي وقبلّتني "قبلة أخويّة" ماسحة على يدي بانفعال شديد. قالت بأنّها سعيدة لخبر تحرير المدينة رغم حجم الدمار الذي خلّفته الحرب. سألتها عن تلك الرغبة في زيارة الشرق الأوسط هل ما زالت قائمة، فقالت نعم، ما زلت أرغب في ذلك.

ـ بعد كل هذا الدمار يا كاميليا؟

ـ نعم يا عزيزي، لا بد من زيارته قبل الموت.

ـ ليش؟!

ـ مو بيدي، أهبّه، أهبّه..

ـ هَبّچ بُرص.

Top