كيف تندمج بثلاث خطوات؟

كيف تندمج بثلاث خطوات     2017/11/30 17:28 عدد القراءات: 1669




ليلة الأمس انزلقت سيّارتي وتعطّلت في منتصف الطريق. كان الثلج يندف بغزارة مصحوباً برذاذ مطر خفيف. الطرقات زلقة، والاصطدامات مجانية. لم تنفع الإطارات الشتائية ذات المسامير، ولا سلاسل الحديد التي أضفتها إليها. لقد انزلق الإطار وفقدت السيطرة، فاصطدمت بالحاجز الاسمنتي في حافة الطريق. تعطلت السيارة بعد الاصطدام وتوقف المحرك عن الدوران. اتصلت بشركة التأمين وتم سحبها إلى الورشة، أما أنا فاضطُررت إلى استئجار تاكسي.

بعد دقائق حضرت سيارة مرسيدس سوداء تحمل لوحة التاكسي الضوئية. تفضل اركبْ. ركبت بالصدر. كان السائق مهاجراً عربياً، قال بأنّ سحنتي تقول بأنّي عربي.. نعم عراقي. مدّ يده مسلّماً ومعرّفاً عن نفسه، لكنّي لم أشاهد على وجهه ابتسامة، كما ينبغي في مثل هذه المواقف. كان أربعينياً، عبوساً، متجهّماً، غزير الشتائم. شتم النرويج لأن الطقس مزعج. شتم النرويجيين لأنهم حذرون بالسياقة ويستخدمون الفرامل والإشارات بإفراط. شتم الحكومة لأنها تنشر الكاميرات على الطريق وتراقب السرعة وحزام الأمان وصغائر المخالفات. شتم نفسه لأنه ترك بلاده وجاء إلى بلاد الكفر. شتم طليقته التي يبدو أنها فرّت بجلدها. شتم كل شيء دون مراعاة للزبون الراكب قربه، والذي هو أنا.

طلبت منه أن يشغل الراديو، فرفض بحجة أنّ الراديو النرويجي ليس فيه غير المسخرة والحرام. حاولت تغيير الموضوع؛ سألته عن السر وراء استخدام المرسيدس بدلاً من التويوتا من قبل شركات التاكسي، مع أنّها دفع خلفي، لا تناسب أجواء النرويج والسياقة في الثلج والجبال، فقال محلّلاً: "لأن الحكومة النرويجية تفضل التعامل مع الألمان على اليابانيين" ليش يعني؟ "واضحة، لأن الكفار يحبوا الكفار" هذا على أساس الكعبة بطوكيو! المهم، شفت ماكو فائدة من فتح مواضيع مع هالمؤمن القافل، فالتزمت الصمت. لكنّه بعد أن بصق في الهواء على الطريق التي تحملنا شاتماً الأرض التي انتشلته من محنته ووفرت له كل سبل العيش الكريم، سألته: أخي إنت إذا لهلدرجة ما متحمل النرويج ليش ما ترجع لبلدك؟ أو تهاجر لدولة يعز بها الإسلام وأهله ويذل بها النفاق وأهله؟ ليش مخلّصها شتايم وتفال، ربّ الحلو؟! فقال، بلا خجل ولا وجل، بأنّه باقٍ ههنا بانتظار الفرج وسقوط أوربا على يد دولة الإسلام القادمة لا محالة. إي والله هكذا قال بالحرف الواحد حامداً الله تعالى وشاكراً ومسبّحاً ومكبّراً إيّاه.

في الواقع؛ لدينا من هذا النموذج الكثير. لم يتعلموا من لغة البلاد المضيّفة، التي منحتهم الحماية والأمان والحرية والجنسية، سوى بضع كلمات لتمشية الحال، ولم ولن يندمجوا في المجتمع ولو على سبيل المجاملة. ليس لدى هؤلاء سوى الكراهية والبغض والشتائم وانتظار زعزعة الأمن والتشفّي بأهل الدار. المشكلة أنّ الدول ههنا تعلم بحالهم وتعرفهم واحداً واحداً، لكنّها مازالت تعمل وفق مبدأ لا عقاب إلا بعد وقوع الجريمة. لقد صُرفت ملايين الدولارات من أجل إدماج هؤلاء وجعلهم مواطنين صالحين، لكن دون جدوى. أتذكر ذات مرة طُلب منّا في مدرسة اللغة كتابة اقتراحات لتسهيل الاندماج، فكتبتُ: عزيزي المهاجر هل حقاً تريد أن تندمج في المجتمع الجديد؟ حسناً؛ تعلّم اللغة، انخرطْ في العمل، واحترم القانون.

Top