فخر الصناعة العراقية

فخر الصناعة العراقية     2017/10/30 17:14 عدد القراءات: 564




يقول جان بول سارتر بأنّ مهمة المثقف هي إزعاج السلطة من أجل مصلحة الناس. أما إدوارد سعيد فيحدد تلك المهمة باليقظة والانتباه ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق.

لا شك أنّ هنالك علاقة إشكالية بين المثقف والسلطة، إذ أنّ الثقافة تعني، بعنوانها العام، التجديد وديمومة الإبداع والاستمرار في الابتكار، وهذا، لا شك، يقف في الطرف النقيض تماماً لمعنى السلطة والغاية منها. فالأخيرة تعني، غالباً، تجميد الوعي وإيقافه عند حده الأدنى من أجل السيطرة على العقل الجمعي وتسييره بما يلائم مصلحتها. ولربما من هنا جاء القول بأنّ على المثقف أن يعمل على تحريك المياه الراكدة بحجر الوعي والتجديد.

لقد جرى الاتفاق على هذه المفاهيم، وسُفكت دماء المثقفين دونها، وثبت بالدليل التاريخي بأنّ المثقف معارض بالفطرة، لا ينطلي عليه كذب السلطة، ولا ينجرّ خلف وعودها. نعم، هو لا يمسك بيده سيفاً، ولا يضع في حزامه مسدساً، لكنّه ينتظر في أسوء الأحوال، ولا يصدّق كل ما تقول السلطة سلفاً. إنّ انتظار المثقف لتنفيذ تلك الوعود، وعدم انجراره وراء أنصاف الحقائق هو أضعف الإيمان إن صح التعبير. لكننا، للأسف، نرى بأنّ مثقفي هذه الأيام هم أول الرادحين خلف السلطة، والمصفقين لها، حتى قبل أن تطلق قائمة وعودها!

ربما الحال يتكرر، والمثقف هو المثقف، سواء في هذا الزمان أم في ذلك الزمان، لكنّ الذي تبدّل هو سرعة وصول المواقف وانتشارها كالنار في الهشيم. لقد أمسى المثقف عارياً بفضل مواقع التواصل الاجتماعي، يطّلع الكثير على مواقفه، ويقرأون آراءه أولاً بأول. وبسبب سحر السوشيال ميديا وفضلها في توسيع رقعة شهرته، فإنه لا يقدر على الصمت، فينطق أولاً بأول.

مع كل خطوة تخطوها السلطة يركض المثقف، هذه الأيام، إلى صفحته ويغرّد. ولكنّ تغريداته، واحسرتاه، لا تناسب المهمة التي ألقاها على عاتقه سارتر "إزعاج السلطة" ولا ما حدّدها إدوارد سعيد "اليقظة والانتباه ورفض الانسياق" بل على العكس تماماً من هذه وتلك، صار المثقف داعماً للسلطة مصفقاً لها هاتفاً بالروح والدم والمال والولد، ونائماً في ما يخص الحقيقة، غير مكترث لها.

لا شأن لي إن كان المثقف يقبض لقاء مواقفه هذه أم لا، فلست ممن يعلّقون كل شيء على شمّاعة المؤامرة. ولكنْ، ما يجري هذه الأيام كارثيّ بحق، إذ تتم صناعة دكتاتور جديد من حيث نشعر أو لا نشعر. الدول الكبرى، تملي ما تريد، علناً، والسلطة في بغداد تنفّذ، والمثقف رافعاً كفّيه يصفّق! أليست هذه أم الكوارث؟! ثم ألم تتم تجربتهم واحداً تلو الآخر؟ ماذا كانت النتيجة؟! لماذا الإصرار على إطالة مخالب السلطة، وتمكينها بدعوى أنها تحارب الإرهاب وتفرض القانون؟! هل هي سلطة جديدة نزلت من السماء، ليلة البارحة؟! أم أنها كانت مشاركة في سقوط المدن وتمكين الإرهاب منها؟! وهل تفرض القانون حقاً؟! أم أنها مجرد اتفاقات مع ميليشيا على حساب ميليشيا أخرى، وتبديل للسرّاق لا غير؟ أين سلطة القانون؟! ألستم من تشتكون، ليل نهار، من سطوة الميليشيات، وطول ذراعها؟! لماذا لا تكفّون إذاً عن الردح خلف السلطة؟! أم أنّكم مصرّون أن تثبتوا للعالم بأجمعه بأنّ الطغاة فخر الصناعة العراقية؟!

Top