نزهة حول المدينة

نزهة حول المدينة     2017/08/23 18:24 عدد القراءات: 1403




ليلة البارحة قرّرت الاستغناء عن السيّارة والخروج في نزهة حول المدينة. الخريف جاء مبكراً هذا العام، والطقس بارد نوعاً ما، والهوا طيّب. في الطريق رأيت سيّارة عاطلة. كانت صاحبتها سيدة ثلاثينية شقراء، ترتدي فستان سهرة أحمر، وتضع على كتفها شالاً صوفياً داكن اللون. كانت متوسطة الجمال، أقرب إلى نسرين طافش منها إلى باريس هيلتون، رشيقة قدرتُ طول قامتها بمائة وتسعة وسبعين سنتمتراً ونصف السنتمتر. كانت عائدة من حفلة، على ما يبدو، وعطلت سيّارتها.

ما أن رأيتها حتى اتجهت نحوها وعرضت عليها المساعدة، فقالت: بنچر. ضربت على صدري حينئذ وقلت: سهلة. مع العلم عمري ما مبدّل بنچر ولا فاتح تاير. خلعت سترتي، كففت أكمام القميص، وبلّشت، رخّيت الستدّات ورفعت السيارة على الجك، فتحت التاير، حطّيته بالصندوگ وشدّيت السپـير بمكانه. لقد أنجزت المهمّة بوقت استثنائي وهممت بالوداع، لكنّ السيدة أصرّت على أن أرافقها إلى البيت كي أغسل يديّ وأتناول معها كأس عصير على الواگف. وافقتُ على الفور، ولا أظنّكم ستسألونني عن السبب.

اصطحبتني إلى بيتها وقدّمت لي شراب الليمون بالنعنع مع صحن نمنمات وموالح، ثم سألتني بعد أن تعرفت على اسمي ورسمي وأصلي وفصلي: يبدو أنّك صديق للبيئة! قلت: نعم. كان بيدها آيباد تتصفّح فيه وتتكلّم معي. سألتني حينذاك عن رأيي في النرويج، فقلت: مممم يعني. قالت: ماذا تقصد بـ يعني؟ ما عاجبتك البلد؟ قلت: بلا، ولكنّها تحتاج إلى إصلاحات، فهذه البلاد يا عزيزتي بحاجة إلى مسؤول شديد يضرب بيد من حديد، كما يحدث في بلدي هناك. رمقتني بنظرة استغراب وعادت تمرّر بيدها على شاشة الآيباد، وأنا مسترسل في الحديث عن العراق وكيف يتعامل المسؤول هناك بحزم من أجل تطبيق القانون.

في الأثناء توقّفت المرأة عن التصفّح وقالت: يضرب.. يضرب؟ قلتُ: إي يضرب، شنو الضرب حرام؟ قالت لا، حلال لكن ماذا يضرب بالضبط؟ يضرب داطلي مثلاً؟ قالتها وهي تضع الشاشة أمام عيني. كانت صورة قديمة لرئيس الحكومة وهو يتناول الداطلي من صينيّة يحملها فتيان كرماء في الطريق. لم أجبها، ليس لأني حائر في الجواب، لا والله، ولكني لم أرد كشف سرّ المهنة أمام هكذا شعوب "كسولة"، فهذه المسكينة لا تدري بأنّ داطليّةً واحدة يضربها مسؤول كفيلة ببقائه في السلطة دورة انتخابيّة ثانية دون الحاجة إلى عمل ووجع راس!

المهم، شكرتها، في النهاية، على حسن الضيافة وغادرت. عند الباب نادت خلفي: لحظة، لحظة، ما گتلي شنو مكوّنات الداطلي؟ فقلت: الداطلي أكلة عراقيّة تتكوّن من الطحين والسكر والبيض والحليب والهال، تُقلى بالزيت وتُقدَّم للعريس ليلة الدُخلة عادةً. قالت: لماذا تقدمونها للمسؤول إذاً؟ فقلت: هذا لأن المسؤول هناك يمارس مع الشعب نفس مهام العريس ليلة الدُخلة.. تصبحين على خير.

Top