الضفدع حنّون

الضفدع حنون     2017/08/07 10:18 عدد القراءات: 1447




 ازهر جرجيس

لقد ذكرت التقارير الطبية بأنّ حنّون مات بالحصبة وبأنّ قلبه الصغير لم يحتمل الحمى فسكت بعد ثلاثة أيام من ظهور أول بثرة حمراء على جسده. كان هذا قبل ثلاثين عاماً ونيّف، وكنت شاهداً على الحادثة، ورأيت بأم عيني كيف دُسّ حنون في حفرة صغيرة في مقبرة تلوذ بأكتار أحد المقامات في القرية. لقد مات المسكين ولي في عنقه خمسة دراهم كان قد استدانهن مني ليشتري بهن سنارة صيد من دكان الحاج جاسم آل سعيد رحمه الله، فنحن، ولطبيعة القرية التي تغفو على أكتاف ثلاثة أنهر، عشّاق سمك بالضرورة.

كنا نعشق الصيد والصبايا اللواتي يزرعننا على باب مدرسة البنات الوحيدة آنذاك. لم يكن حنون يرغب في الوقوف على باب المدرسة، ولا رغبة لديه في أن يعيش قصة حب تعينه على احتمال الحياة، فقد كانت تنام على قلبه طبقة سميكة من الشحوم تصد سهام الحب وتمنعها من الاختراق.

اقترحنا عليه غير مرة أن يحب هذه أو تلك ولم يستجب، كان يرفض كل مقترح ويهددنا بالاعتزال من فريق الصيد إن لم نكف عن ذلك. ليس في تفصيلة الحب فحسب، بل في كل تصرف طبيعي كان يشاكس ويعترض ويتدلل ويتمندل ويمارس دور المختلف. لحنون تركيبة غريبة، فهو ازدواجي حد اللعنة ومعترض وغبي أيضاً، لكن حب السمك كان يجمعنا معه في فريق واحد، ومع ذلك لم نكن نخضع لتهديداته بالاعتزال.

كنا نرد عليه: "يطبّك مرض، ما زاد حنون في الإسلام خردلة، ولا للنصارى شغل بحنون." ثم ندعه وحيداً ونمضي. بصراحة، كانت هذه المقولة ناجعة معه، فما أن يرى نفسه وحيداً حتى يعود إلى رشده ويتحسّن لديه استخدام عقله. الوحدة ترياق لمن هو على شاكلة حنون. على كل حال، مات حنون، ومرّت الأيام، وكبر الرهط وتفرق حتى أمسينا كل واحد تحت نجمة. لكنّي البارحة وأنا أمر من قرب مقبرة ياربن الصغيرة سمعت صوت ضفدع غريب.

لم يكن يشبه صوت الضفادع الذي نعرفه. اقتربت منه، كان ضفدعاً سميناً على وجهه آثار بثور قديمة، يختبئ تحت ورقة شجر مبللة، ما أن رآني حتى تخلص من الورقة ونقّ بوجهي. سألته عن اسمه، فقال: "حنون" كاد يصعقني جوابه فسألته فاغراً فمي: "حنون لا غير؟! ما الذي حصل معك؟! وكيف جئت إلى هنا؟!" فأجاب: "بعدما دفنتموني وغادرتم مسخني الله ضفدعاً وأخرجني من القبر، ثم هبّت عاصفة ممطرة رفعتني إلى السماء وقذفت بي هنا على أطراف اسكندنافيا." !

طأطأت كي أمسك به حينئذ، لكنه ابتعد وقال بصوت عراقي فصيح: "ماريد ماريد" قالها بما يشبه النقنقة. طلبت منه أن يرافقني إلى البيت كي أقوم له بواجب الضيافة فقال: "ماريد ماريد" عرضت عليه أن يشرب من قنينة المياه المعدنية بيدي، ماريد ماريد، قدمت له كسرة شوكلاتة، ماريد ماريد، اقترحت عليه أن أتصل بمكتب السفارة العراقية في أوسلو من أجل إعادته إلى أرض الوطن، ماريد ماريد.. أتعبني حنون، كل جواباته: لا أريد، وكأنه، حتى بعد أن مسخ ضفدعاً، ما زال لا يحسن استخدام عقله ويشرع بالدلال والتمنع وممارسة دور المختلف، لذلك تركته وحيداً ومضيت. ن

ادى خلفي إذ ذاك: "هاي وين؟ تَرَ أعتزل" أجبته: يطبّك مرض، ما زاد حنون في الإسلام خردلة ولا للنصارى شغل بحنونِ.. ماريد ماريد.

Top