كريم راهي

تت تا تتت تا...

تت تا تتت تا     2017/12/05 20:53 عدد القراءات: 2673




 

حين عزز صدام حسين سلطته المطلقة على مجلس قيادة الثورة والحزب، والجيش والدولة برمّتها في ما بعد، بتصفيته العديد من الكوادر الحزبية وقيادات الحزب الذين وجد أن في استمرار وجودهم في الحكم يشكل خطراً عليه، خلا له الجو فباض وصفر، ونفذ حملة من الاغتيالات والتصفيات والحروب التي افتتح عهدها مع الجارة الفتيّة آنذاك (جمهورية إيران الإسلاميّة)، وكانت يده الضاربة آنذاك بضعة تشكيلات أمنيّة منها الأمن العامة والمخابرات والاستخبارات وسواها من التشكيلات السريّة التي ظلت تعمل بفاعلية طيلة سنوات حكمه المنتهية بانتهاء أرواح الملايين من الشبان التي أُزهقت ظلماً، سواء في الحروب العبثية أم تحت سياط الجلادين، عنك من أعدم منهم بالرصاص أو بالمقصلة، أو غُيّب فلم يعثر له على أثر.

 

ولم ينجُ من أبناء جيلي الذي عاش المأساة كلّها، إلاّ القلّة التي هي في طريقها للانقراض أيضاً، فلقد أخذت أمراض الكهولة حصّتها من تلك الأجساد التي أرهق كواهلها حمل أعباء تلك التركة اللعينة، ممّن لا زالت ترنّ في أسماعهم أصوات دوّي الطائرات وصفّارات قنابر الهاون وقذائف النمساوي والروسي والبلغاري وكلّ أمم الله التي طالما صبّت بزيتها على نار الحرب، وحممها على رؤوسنا، نحن الواقفين الآن على شفا الهاوية، والذين أنيطت بنا مهمّة تدوين ما أغفله التأريخ المكتوب، وهي المهمّة التي أخذت على عاتقي إنجاز قسم ليس باليسير منها في كتاب الحكايات.

 

يتذكّر أغلب نزلاء (أبي غريب) ممّن مرّوا بمحجر (الاستقبال)، الذي هو أشبه بصالة (الترانزيت) في المطارات، أن هذه المحطّة كانت تضمّ خلف جدرانها الاسمنتيّة، المحكومين بعقوبات إضافية في السجن، ممّن لم يلتزموا باللوائح، وممّن يروق لضبّاط الأمن في نوبات خفاراتهم الليلة، التسلّي بتعذيبهم، وحجرهم لشهور طوال في هذه الزنزانة المريعة. ولمّا كنت أحد زوّارها الدائميّين بوصفي معادياً أزليّاً للحزب والثورة، فقد حظيت بفرصة أن ألتقي بشكل شبه يوميّ بمن يؤتى بهم من (محكمة الثورة) القريبة، لكي يودعوا السجن محكومين بفترات مختلفة، مروراً بالزنزانة إيّاها.

 

والحديث عن أيّام تلك الزنزانة ذو شجون حقيقيّة، فلقد جرت فيها الكثير من الأحداث التي تطرأ بين الحين والآخر على الذاكرة، فأباشر بتدوينها خشية أن تُنسى للأبد، ومنها حادثة (فصيل المخابرة) الذين حُكم عليهم بالسجن بسبب وشاية من أحد ما، بتهمة التخاذل أو شيء من هذا القبيل، والذين استقبلناهم في يوم سجنهم الأوّل الذي دخلوه في حالة مزرية من البؤس، من حيث صفرة الوجوه واللحى غير الكثّة والأسمال التي كانت بالكاد تستر أجسادهم، ووفرنا لهم الملابس النظيفة والطعام الذي يليق بالبشر، بعد أن أعلمونا أنّهم كانوا يقتاتون على ما يشبه أعلاف الماشية، طوال فترة التحقيق والتوقيف. وبالطبع فقد قصّوا علينا ما جرى لهم في تلك الفترة بما يشبه أقاصيص الأفلام الدراميّة غير القابلة للتصديق.

 

أعضاء فصيل المخابرة هذا جنود مكلّفون في أعمار غضّة، كان من المفترض الحكم عليهم بالإعدام لولا نباهتم إلى أنّهم كان بإمكانهم التوصّل لاتفّاقات بالتفاهم فيما بينهم رغم تشديد (فاضل البرّاك) شخصيّاً على عزلهم الواحد عن الآخر في زنزانات منفصلة، البرّاك نفسه الذي وجد نفسه غفلة وقد انتقل من خانة حامي حمى البعث، إلى مجرم تمّ إعدامه في المديريّة نفسها.

 

لكنّ الأمور، على أيّة حال، لم تجر كما يرغب (السيّد العام)، فهؤلاء الفتية النبهون عمدوا طوال فترة التحقيق، إلى التخاطب فيما بينهم بطريقة النقر على الجدران بلغة شفرة (مورس) التي يتقنونها كمخابرين، وهي اللغة التي كانت تتفاهم بها قطعات الجيش في الحروب، التي هي عبارة عن نقرات معيّنة تعتمد صوتين معلومين هما (تيت) و(تا) يؤلفان كل الأرقام والحروف الهجائية بتكرار أو توالٍ معين. وبهذا أتمّوا الاتفاق فيما بينهم على صيغة الإعترافات التي أخذت منهم عنوة، وحافظوا على رقابهم من الشنق، ورضيوا بأهون الشرور، ما دامت الأنفاس تصعد وتنزل.

 

الطريف في الأمر أنّ هذه الطريقة في التفاهم صارت إرثاً داخل زنزانات الأمن العامّة، فقد تعلّمها الجميع وباتوا يتحدّثون بها ويعقدون اتّفاقياتهم في الإفادات التي يجب أن يدلوا بها أمام الجلاّدين وقضاة التحقيق، حتّى بعد ترحيل أفراد الفصيل ذاك إلى سجن أبي غريب، وقد سهّلت هذه الطريقة بالطبع الكثير من الأمور، ولبضع سنوات سبقت هدم الزنزانات وتفريق نزلائها إلى أماكن أخرى. وبقي ضيوف محجر (الاستقبال) القادمين من تحقيقات الأمن، يروون لنا، نحن النزلاء شبه الدائميّين فيه، عن تلك الأيّام التي كانوا يقضّون لياليها بالسمر والنوادر والحديث المفعم بالمسرّات الصغيرة، في تلك البقعة من العالم، المعزولة عنه بجدران الإسمنت وقضبان الحديد، بفضل تركة أفراد فصيل المخابرة هذا.

 

سنوات طوال مضت، وفي مطعم يقع ما بين البصرة وبغداد، وكنت عائداً من زيارة برّية للكويت، وإذا بأحد الغرباء يحدّق في ملامحي محاولاً التأكّد من شخصيّتي، مما دفعني للاقتراب منه وسؤاله عن سبب ذلك، فقال: استاد أريد أسأل سؤال ومتردد.. فقلت: تفضل أخي، قال: حضرتك مو كنت بأبو غريب بالثمانينات، قلت: نعم، لكّني بالكاد أتذكّر من أنت، فقد مرّت عليّ الآلاف من الوجوه. هنا ابتسم الرجل وتوّجه إلى صاحب المطعم لدفع ثمن وجبتي، مصرّاً على ذلك بالطريقة العراقيّة المعروفة، وحينما وجدت أن لا مفرّ من مزاحمته تركته على هواه، ففي ذلك بالتأكيد توفير لبضعة آلاف من الدنانير.

 

-           لكن لماذا تدفع حسابي قلت له، وأنا مجرّد وجه من الماضي كان من الممكن أن تتجاوزه وتمضي لسبيلك؟ قلت له، فأجاب بأريحيّة لم أعهدها في أحاديث الغرباء:

-           تدري الغدا اللي غدّيتني إيّاه في المحجر كان أطيب غدا بحياتي؟

-           عن أي غداء تتحدّث، ومن تكون لطفاً؟

-           تت تا تتت تا.. ها عرفتني؟ جماعة المخابرة.

 

وبالطبع لم يخل اللقاء من عناق وقبل متبادلة وحديث مستعاد عن تلك الأيّام التي قضيناها معاً في الإنفرادي، من قبل أن يرحّل إلى الزنزانات المقفلة، فيُنسى أمره، ويصبح مجرّد رقم في التعداد اليومي.

Top