خوالنا العراگيّين

خوالنا العراگيين     2017/11/28 13:27 عدد القراءات: 1952




أراني كلّما أعرضت عن الحديث حول الكويت والكويتيّين، باعتقاد أنّني أشبعته، أعود بعد اكتشاف المزيد ممّا لم أكتشفه، لأكتب. ويبدو أن تأثير كلمة (العراق) على اللوحة التي تعلن عن مبيعات كتب الأطفال في المعرض، كان ذا شجون، فما أن يرفع أحدهم رأسه ليقرأ اسم البلد، إلاّ وانبرى يقول مُشيراً بسُبّابته إلى صدره:

  • من العراگ؟؟ تدري إنّي أنه (يدّتي) عراگيّة.

إشارة إلى أصول جدّته المنحدرة من العراق، ومن البصرة بالتحديد، مصيف الكويتيّين ومشتاهم، وقِبلتهم للتروية ليالي الخميس والعطل والأعياد، قبل أن تشتعل الحرب فيغدو مرورهم محسوباً، ولينقطع تماماً بعد حادثة الغزو.

وقد لا أبالغ بالقول أنّني بإحصائية بسيطة لعيّنات عشوائية من الزبائن، اكتشفت أنّ نسبة لا بأس فيها منهم (أو منهنّ في الأصحّ) قد انحدروا من أصول عراقيّة، من جهة الأمّهات أو الجدّات على الأغلب.

وأتذكّر أنه في أوائل الستينيات من القرن الفائت، بعد اضطراد ثروة البلد وعائداته من النفط، أنّ الكثيرات من النساء كنّ يرحلن من حيّنا إلى هذا المكان، بعد أن ينتشر خبر خطوبة هذه الفلانة أو تلك العلانة لخاطب ذي جيب منتفخ، الخبر الذي سيكون مبعث حسد من صويحباتها، لأنّها حصلت على زيجة جيّدة. وأتذكّر بالخصوص واحدة منهنّ كانت على علاقة طيّبة بعائلتي، وكانت تهاتف أهلها من خلال الاتصال بنا تليفونيّاً في منتصف الستينيات، وغالباً ما كانت تأتي في زيارات لأهلها في الحيّ الذي نسكنه، وبصحبتها أولادها الذي يكبرني البكر منهم بعام أو عامين.

ويوم لم تكن هنالك من حدود أو عوائق بين البلدين، كان الكويتيون يسعون لشراء بساتين النخيل في أنحاء البصرة، وفي أبي الخصيب بالتحديد، في ضياع لا زالت تحتفظ بعائديتها لهم. ولربما كانت قصّة هجرة عائلتي الأميرين الكويتيين محمد وجراح الصباح إلى البصرة، بعد أن تولّى أخوهما مبارك إمارة الكويت، دلالة على عمق الصلة بين البلدين الجارين لحدّ إتاحة الأمان لطالبيه من أفراد هاتين العائلتين بعد أن أصبح وجودهما في البلد الأمّ خطراً، فكان أن استقرّوا وتناسلوا في نواحي البصرة لغاية ثلاثة أجيال، عاد منها الأخير إلى دياره في الستينيات وأعني السيدة (سعاد الصباح) ذات المولد والمنشأ العراقيّ.

وفي السنوات إيّاها، كما أسرّني أحد أصدقائي من الكويتيّين، أيّام لم يكن السفر جوّاً ممكناً من الكويت بسبب افتقارها لمطار دولي، فقد كان مطار البصرة الكبير حينها، هو المكان الأقرب الذي كانوا ينطلقون منه إلى العالم.

إنّ الذي يلفت انتباهي في هذا العام، والذي تميز به عمّا سبقه من أعوام تواجدي السابقة في المعرض بالكويت، أن الجُهر بالخؤولة التي وُصفنا بها كعراقيين في الكويت، كانت أعلى صوتاً وأكثر ارتباطاً بنظرات الود والاحترام التي رُمقنا بها هنا، لا أعني نفسي بالخصوص، بل كل زملائي ممّن كانوا يديرون أجنحة لدور نشر عراقي الذين لم تخرج إجاباتهم عن المعنى الذي ذهبتُ إليه. فالكل يتفق أن الكثيرين باتوا يثنون على التواجد العراقي في الكويت بصفة دور نشر، ويحاولون بهذه المناسبة أم تلك، أن يعلنوا عن كون أن دماء عراقيّة تجري في عروقهم، هي التي دفعتهم للزيارة.

ولربّما يتأكّد هذا الزعم من خلال كلمات الإطراء التي نسمعها من هنا أو هناك، مخلوطة بمفردات عراقيّة موروثة عن الأسلاف من قبل (عيني) أو (أغاتي) التي يحاول أصحابها (برهنة) أن أسماعهم سبق وأن تشنّفت بتلكم المفردات وهم في غضاضة الطفولة أو ريعان الصبا، من الجدّات إيّاهنّ.

لكن رغم هذا الكمّ من الإيجابيّة التي خرجنا بها، فلا بأس أن نأتي على ذكر السلبيّات المرافقة، رغم ضآلة أعدادها، التي تثبت أن عهد الضغائن يحتاج وقتاً أكبر بالنسبة لبعض من زاروا دار النشر التي كنت أديرها، أعني (دار الفراشات للأطفال). فمن ضمن من كنت أروّج لهم قصّة (أليس في بغداد) للكاتبة (آية منصور) وأدعوهم لشرائها، امرأة أربعينيّة ما أن طالعت العنوان وسمعت مقالتي حول الكتاب حتّى بادرتني بجملة تحمل كمّا من الكراهيّة لم أكن أعهده في كويتي، حين ردّت عليّ قائلة:

  • من زين بغداد وأهل بغداد عاد.

ثمّ عدّلت من وضع نقابها، وأشاحت معرضة وهي تدمدم بتبرّم واضح، أعتقد أن سببه كان ارتباط اسم بغداد بذكرى سيئة خلّفها آثار العدوان البعثيّ على الكويت في عام 1990 المشؤوم.

أما في حادث لا أعدّه سلبيّاً تماماً، فقد همست إحدى الزائرات للمعرض في أذني بما تراه سرّاً يجب عليها أن تحافظ عليه أمام أبنائها، لكنها لم تجد بأساً في أن تبثّه إليّ:

  • أگولّك شي؟.. أنا عراگيّة، لكن أولادي ما يعرفون، لأن أبوهم ما يرضى يعرفون.

وهذا بالتأكيد راجعٌ إلى أن الأب كان قد مسّه من تلك الذكرى الأليمة شيء ما من الكراهية التي لم تكف الأعوام التي نافت على الربع قرن من أن تمحوها.. لكنّا، في أيّة حال، ما زلنا أخوالاً لهم، وسيأتي بالتأكيد اليوم الذي سيعرف هؤلاء الأبناء بأمر خؤولتنا لهم، فيُجهرون أمامنا في مناسبات مقبلة، الجملة التي سمعناها مئات من المرّات:

  • أنتم خوالنا العراگييّن.. نتشرّف بزيارتكم لنا.

Top