كريم راهي

عن مچابيس الدياي الكويتيّة، ونهاية عهد الضغائن

عن مچابيس الدياي الكويتية ون     2017/11/21 20:09 عدد القراءات: 1564




 

-       إنتم توكم (يايّين) من (العراگ).. مو چذي؟

-       بلي!

-       بارك الله فيكم ويا هلا وسهلا.. والله إنّكم أهل العلم والثقافة.

مثل هذا الديالوغ غالباً ما يجري بين أحد زبائن (دار الفراشات للأطفال(، وبين وكيل مبيعاتها، الذي هو أنا، العراقيّ الذي يعرف القلّة أنّه مولعٌ بالكويت وأهلها لحدّ عدم مبارحتها إلا ولسان حاله يردّد ما قاله المعريّ في فراق بغداد:

كفى بشحوبِ أوجهِنا دليلا

على إزماعنا عنك الرحيلا

أو قد يجري الحوار على هذه الشاكلة؛ يرفع أحدهم عنقه للأعلى ليقرأ ما مكتوبٌ على اليافطة: دار الفراشات للأطفال- العراق، ثم يتوجّه بالسؤال وكأنّ المقابل كائن فضائي:

-       من العراگ أنتم؟

-       نعم!

-       والله إنّكم بلا.. بلا.. بلا......

التعويذة إيّاها التي بتُّ أحفظها عن ظهر قلب لكثرة ما ردّدها أمامي من (زبائن)، والتي ما زلتُ أطأطئ برأسي خجلاً إزاءها، هي أحقيقةً أنّ هؤلاء البشر يفرّقون تماماً بين العراقيّ الذي لا حول له ولا قوّة، وبين أولئك الغزاة الذين فاقوا التتر في قسوتهم وهمجيّتهم؟

السؤال نفسه يطرحه رفيق مهنتي العربيّ، الذي يدير كشكاً لكتب الأطفال، مثلي، في الجوار. أسمعهُ يهمس بأذن رفيقه بما معناه: هل جُنّ الكويتيّون لكي يعودوا للتعامل مع العراقيّين كجيران صالحين؟

نعم إن ما بيننا هو جيرة صالحة، وما أسمعهُ وأراه، أمامي على الأقل، يُنبئ أن عصر الضغينة قد ولّى مع صاحبه، إلى غير رجعة، وأن لا أحد منّا يرجو لصاحبه غير الصلاح.

لا أعلم إن كان هنالك كويتيّون أخرون، غير الذين اعتدت أن ألتقي بهم سنويّاً في معرض الكويت للكتاب، يختلفون في رؤاهم ووجهات نظرهم عمّن قطعت من أجل أن أحظى برفقتهم، آلافاً من الأميال هذا العام؟

تعود علاقتي بالكويتيّين إلى ستّة أعوام مضت بالضبط، يوم لبّيت دعوة الصديق فارس الكامل لحضور معرض الكويت للكتاب في العام 2011، العام الذي اكتشفت فيه أنّ هنالك الكثيرين ممّن يستحقّون أن نكون قريبين منهم، وقد كتبتُ عنهم بالتفصيل في كتاب الحكايات. ورغم أن علاقتي بهذه الكائنات، الذين وصفتهم مرّةً، ظُرفاً، بـ (بالأواني المستطرقة)، تكبّدني مشقّة تحمّل وجبات (المچابيس) غير المعتاد عليها، وتلول اللحوم و (الدياي) التي أجد فيها تكلفة لا مفرّ من الإذعان لها، إلا أنّني على الطرف الآخر، أقف عاجزاً عن المجاراة بالمثل، حين يهاتفي هذا الرفيق أو ذاك، مُبشّراً بحلول ضيف كويتي حلولاً طارئاً، فأكاد أطير فرحاً.. وهكذا جرت الأمور مع السنعوسي سعود، والسنافي يوسف والهندال إبراهيم وأخيه فوّاز.

بإمكان أيّ كويتيّ دخول العراق بمجرّد مراجعة السفارة العراقيّة في الكويت وطلب فيزا الدخول، التي هي في العادة تأشيرة دخول لزيارة العتبات المقدّسة، وعدا عن ذلك، فلعهدٍ قريب، لا أدري إن كان ما يزال قائماً، كان بوسع الكويتيّين ممّن يدخلون العراق عن طريق مطار (أربيل) فعل ذلك دون طلب الفيزا، كما حدث مع الروائيين الكويتيّين (سعود السنعوسي) و (بثينة العيسى) على هامش معرض أربيل الدولي للكتاب، في الربيع الفائت.

ورغم أنّ من هو مثلي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول، بسبب من حملي لجواز سفر أوروبي، فإن العراقيّ الذي يبحث عن سبب يؤهله لدخول الكويت، بأية صفة، يخفق في ذلك، إلا إن كان ذلك بدعوة رسميّة. ولا أريد الدخول في ملابسات العراقيل التي تقف في وجهي كزائر لأحبتي الكويتيين، سواء عند الدخول أو عند المغادرة، فلا زال عندي نفس الشغف وذات اللهفة لأن أتحمّل قسوة ملامح رجل الحدود (وهذه الصفة الغالبة لهم أينما ولّيت في العالم)، سواء كنت داخلاً أو مغادراً، وهو يحملق في ملامحي ليتأكد من أني أنا ذاته الذي يحمل الجواز صورته، ليقول لي وهو يعيد الجواز الأحمر، راغماً:

-       يا هلا فيك.. أنتم أهل الكرم والجود!

ثمّ ينادي على عامل خدمة (الشركة) الآسيويّة الذي مهمّته السقاية، ليكرمني دون كلّ الوافدين أو المغادرين، من الكويت أو إليها:

-       يا شركة.. هات شاي للأخ العراگي.

وفيما أهم بمغادرة البوّابة، وقبل اصطفاق الباب، يتناهى إليّ صوته مهمهاً لرفيقه:

-       والله إنّهم ما لهم ذنب في الذي جرى لِنا.

 

Top