حاجتنا لتراكتور مقدّس

حاجتنا لتراكتور مقدس     2017/11/10 21:10 عدد القراءات: 2282




في العام 1765 يقرّر المستكشف الألماني (نيبور) أن يمرّ بمدينة النجف، وهو في طريقه من البصرة إلى بغداد، فينزل عن السفينة الشراعية المتّجهة شمالاً، عند مدينة (لملوم) العظيمة المندرسة، بالقرب من (الحمزة الشرقي) الآن في الديوانيّة، ويأخذ الطريق البرّي للنجف فيزورها ويغادرها صوب الحلّة فبغداد.

ملاحظات نيبور كانت أن هنالك قباب كثيرة بين الرمّاحية والنجف، وبين الكفل والحلّة، لأولياء يقول عنهم أنهم مزعومون، ويضيف أن الأمر يشمل القرى السنيّة والشيعيّة على السواء، التي لا تخلو أيّة واحدة منها من وجود قبر لوليّ. وهذا ما يؤكّده الرحّالة الدكتور (إدوارد إيفز) الذي مرّ بالمدينة إيّاها قبله بأعوام (عام 1754)، فذكر وجود مرقدين فيها، هما (حليب الحسين) و (الإمام الخزاعي)!

وفي كتاب ذي 350 صفحة، اقتنيته للتوّ فأجهزت علية بجلسة واحدة، حمل عنوان (المراقد المزيّفة) لمؤلفه (عبّاس شمس الدين)، كما كتب على الغلاف الذي أعتقد جازماً أنّه ليس الشخصيّة المشهورة بهذا الاسم في الفيسبوك. وفي هذا الكتاب يأتي المؤلف على ذكر المئات من المزارات التي يزعم هو بزيفها، داعماً آراءه بمساند من كتب تأريخيّة رصينة ومعروفة، يجعلك في النهاية تقف مندهشاً أمام هذا العدد الهائل من الأولياء وأصحاب الكرامات الذين ملأت أسماؤهم هذا المرجع الجريء والفريد في موضوعه.

وتعدّ مقدمة الكتاب بحثاً مستقلاّ بذاته عن علم اكتشفت بعد قراءتي لها أن اسمه هو علم (الآثار الجنائزي)، يعتمد المشتغلون به على الخلط بين الأنثروبولوجي والأريكيولوجي، وهذا ما يعني رصانة هذا العلم.

وفي لمحة ذكيّة يعلّل الكاتب أسباب وجود هذه الأعداد الهائلة من المزارات (ليس في العراق فحسب) بحاجة الإنسان الروحيّة لوجود ولي صالح بالقرب منه، حين تتعذّر عليه زيارة المراقد الكبرى.

إن هذه المزارات تنشأ في البداية على شكل منامات مبهمة، ترافقها أقاويل حول كرامات وقوى خارقة مزعومة، ولا بأس أن تُعزّز بصخرة مكتوب فيها اسم الولي الصالح، موثّقاً بفراغ ملائم تأريخيّاً في شجرة نسب حقيقيّة، ليصبح هذا المكان أو ذاك، بين ليلة وضحاها، مزاراً مقدّساً. ولا بأس طبعاً من اختلاق قصّة مرافقة حول عجز آلة (الشفل) المُرسل من قبل البلديّة (هذا في عهود متأخرّة) لهدم المكان المزعوم، ولربّما قصّة أخرى حول وفاة أو مرض سائق الشفل الذي قام بهذه الجريمة.

ويذكر الكاتب أن ظاهرة باسم (إمام زادة) أو (ابن الإمام) قد تضاعفت فيها أعداد قبور الأولياء في بعض قرى إيران ما بين عامي 1979-2008 من 1500 مرقد إلى 8000 باعتماد مؤلف الكتاب على تقرير منشور في صحيفة (جمهوري إسلامي) الإيرانيّة، كمصدر.

ولا شكّ أن الكتاب سيحتوي على ذكر العشرات من (بنات الحسن) أو (أولاد الكاظم) التي تزخر بها قرانا في دلالة قويّة إلى أن أغلبها مزعوماً، عنك أن الكتاب يذكر مرقدين مختلفين لـ(شريفة بنت الحسن) التي شاع صيتها مؤخّراً كمحقّقة للآمال، وكلاهما في نطاق أطراف مدينة الحلّة، عنك الأولياء الذين يلقّبون بلقب (سي) بدلاً من (سيّد) وهما كل من (سي رحمان) و(سي شعبان). والطريف أنّي وجدت انّ اسم (عبّاس المستعجل) الذي نطلقه تندّراً على المتعجّلين، هو اسم لولي حقيقي موجود في الموصل، لا أدري إن كان قد بقي للآن بعد أن صارت هذه الولاية الإسلاميّة الفتيّة خراباً.

ويبدو أن المخيّلة الشعبيّة قد تعدّت تقديس الأولياء وجنحت إلى الشيئيّة، فهنالك موضعان يُدعيان بـ(قطّارة) أحدهما منسوب للإمام علي، والآخر لابنه الحسين، وهما كما يوضّح صاحب الكتاب، تكوينان رسوبيّان ينبع منهما الماء، صارا مزارين معروفين.

على إنّ صاحب الكتاب لم تفتهُ مسألة التحقّق في أسماء الأولياء وأنسابهم، فبذل جهده في البحث بين طيّات الكتب، ليؤكّد نسب هذا الوليّ ويكذّب ذاك، بأدلّة وبراهين واحتجاجات مقنعة، خرج لنا بعدها بهذا السفر الذي سيأخذ دوره في إثارة الجدل، لكنّه بالتأكيد لن يقف حجر عثرة أمام المزيد من القباب التي ترتفع هنا وهناك معلنة عن وليّ جديد وكرامة جديدة بعد أن يئس العراقيّون من استجابات أوليائهم التقليديّين لتغيير الحالة المزرية التي هم عليها من جرّاء تسلّط السياسيين المذهبيين، فأظهروا لنا مقامات السيد (تراكتور) والشيخ (خروف) والعلويّة (شجرة النبق).. وليس آخرهم المقام الذي بدأ بتوجيه بوصلة النذور صوبه في الطريق الرابط بين النجف وكربلاء، وأعني به (مقام المعجانة) البلاستيكيّة التي أعلن عن معجزاتها في العام الماضي، والتي بُنيت عليها هذا العام قبّة في وسطها صندوق عليه خرقة خضراء يستقرّ عليه إناء لجمع النقود!

وخبراء هذا النوع من المقامات يدركون نقطة الضعف التي أوقع مجتمع الجهل المقدّس فيها، فبمجرّد اختلاق قصّة ما وربطها بمقدّس، سيصبح من المتعذّر على الآخر عبور هذا الخطّ الأحمر، وستكون الخطوة القادمة هي التكريس، فالقداسة، فبقاء الأثر. وليس مستبعداً أن يظهر علينا أحدهم في المستقبل القريب، ليعلن عن مقام (خرخاشة عبد الله الرضيع) مثلاً أو مقام (قربة العبّاس) أو غير ذلك من البدع التي سيكون لها بالتأكيد مصدّقون وأتباع، ما دام المؤشّر البياني للجهل المقدّس في صعود، وستنتفي بذلك حاجتنا للتراكتور المقدّس، بعد أن شبع مالكه.

Top