حين يفوز الشمر بالثواب

حين يفوز الشمر بالثواب     2017/10/02 16:57 عدد القراءات: 2063




ربّما كانت شخصيّة (الشمر بن ذي الجوشن) في واقعة الطفّ، هي الشخصيّة التي استقرّت في المخيّلة الشعبيّة على إنّها أكثر الشخصيّات مجلبة للكراهيّة، وارتبط اسم الشمر بالصورة التي رسّختها لدينا مشاهد تمثيل الواقعة (التشابيه) على أنّه رجل قاسي الملامح، يرتدي ملابس حرب ملّونة فضفاضة - حمراء على الأغلب-  يضع على رأسه خوذة حديديّة في ذؤابتها ريشة طويلة أو نصل مدبّب، وقد تدّرع نصفه الأعلى بالكامل، ممسكاً بالسيف في يمينه وبالدرع في شماله، وهو يقف منتظراً اللحظة التي سيؤذن له فيها بقتل الحسين، اللحظة التي تصفه لنا المرويّات فيها على أنّه يبدو أنّ "له بوز كبوز الكلب، وشعر كشعر الخنزير"، وهي الجملة التي يردّدها علينا الراوية في اللحظة التي يهمّ بها الشمر بقتل الشبيه.

في ملحمة (المقتل) التي اعتدنا سماعها صبيحة يوم عاشوراء من كلّ عام هجريّ، يقوم القارئ الراحل الشيخ (عبد الزهرة الكعبي) بتفصيل الواقعة مستنداً إلى رواية منقولة عن المحدّثين الشيعة الثقات، تتخلّلها أبيات شعر مكتوبة بالعاميّة العراقيّة تُدعى بـ(النصّاريات) نسبة إلى واضعها الراحل (الشيخ محمّد النصّار اللملومي). وهي الملحمة التي يتفطّر عند سماعها قلب المؤمن الشيعيّ، ويروح في نوبات من البكاء الهستيريّ المصحوب باللطم الشديد على الرأس بالخصوص.

مما لا حاجة بنا للحديث عنه هو تلك الملحمة وتفاصيلها التي أشبعت طفولتنا المجالس الحسينيّة فيها قراءة وسماعاً وتمثيلاً، حتّى عاد واحدنا يحفظ عن ظهر قلب، الكثير من تفاصيلها، ويروح يردّد مع النادبين ندبهم الشجيّ ونوحهم الأزليّ الحزين.

وعادة ما تحدث في مسرحيّة (التشابيه) صبيحة يوم عاشوراء بعض ردود الأفعال التلقائيّة اللا إراديّة، مصحوبة بعنف تتفاوت قوّته حسب طريقة تأدية الشمر لدوره في تلك الفعّاليّة، وعادة ما تكون النتيجة في غير صالح الممثل الذي يقوم بدور الشمر، رغم علمه المسبق بالنتائج، ورغم التحوّطات التي تقوم بها قوّات الشرطة في استلاله من حلبة التمثيل والانطلاق به إلى مكان آمن، بعد أن يكون قد أجهز على شبيه الحسين، وسيحمل للأبد لقب (فلان الشمر) الذي سيرافقه لبقية حياته مصحوباً باللعنات أينما شوهد يطرق شوارع مدينته، مليئاً بالفخر والشعور بمدى تمكّنه من أداء دوره.

شخصيّا أعرف أحد من مثّلوا الدور في مدينتي، وكان خبّازاً كريم العين، أنّه مثل الدور مرّة واحدة في حياته لمرض أصاب الممثل الرئيسيّ، وقد خرج من المعركة بعد أن انهالت صوبه المئات من قطع الحجارة الصغير، أخذت واحدة منها طريقها إلى عينه اليُمنى، فأطفأتها من قبل أن تصل سيّارة الشرطة (المسلّحة) لإنقاذ بقيّة أعضائه.

ولربّما كان البعض ممّن يمثّلون هذا الدور في مجتمعات معيّنة، يظلّون ملعونين منبوذين في تلك المجتمعات حتّى الموت، بسبب من التصاق تهمة قتل الحسين بهم، حتّى وأن كان الناس على علم بعدم واقعيّتها، ويكون عزاء الممثّلين في ذلك أنهم يعتقدون أنّ ثوابهم سيكون مُضاعفاً بسبب من قدرتهم على أيصال المصيبة بهذا الشكل المؤثر. ومادام الشيء بالشيء يُذكر فإنّي أورد في هذا الصدد أن الممثل الليبي (علي سالم قدارة) الذي أدّى شخصيّة (وحشي) في فيلم (الرسالة) قد طردته والدته بعد مشاهدتها له وهو يقتل (الحمزة) في الفيلم.

هناك من يذكر في حادثة قديمة تّروى شفاهاً، أن أحد القرويّين كان قادماً من قريته ليتشرّف بزيارة يوم عاشوراء، أيّام كان السفر إلى النجف متعذّراً بسبب وعورة الطريق وقلّة الموارد، وأنّه صادف أن رآى تجمّعاً كبيراً لزوّار متحلّقين حول حلبة التمثيل، وكان قد سمع بالقصّة من (الروزخونيّة) الذين كانوا يجوبون القرى آنذاك للقراءة في المجالس الحسينيّة، ولمّا سأل عن الواقعة، وكان يحضرها لأوّل مرّة، قيل له أن هذا هو الشمر وهو في سبيله لأن يقتل الحسين، فاستلّ خنجره وانطلق نحوه مخترقاً الحواجز، وانتزعه عنوة من فوق صدر الممثل الذي يقوم بدور الحسين، ثم طرحه أرضاً وراح يطعنه حتّى الموت.

ولم نعد نميّز الحقيقي من الأخبار عن الموضوع منها، ففي منشور فيسبوكي مدعوم بصورة لرجل مرور وهو يحرّر غرامة لشخص يبدو عليه أنه سيقوم بتمثيل دور الشمر، أنّه ضبطه يسوق بسرعة ورعونة فأوقفه قائلاً:

  • ليش دتسوق سريع؟ فأجاب أنّه يحاول الوصول إلى موقع التمثيل، فما كان من رجل المرور إلا أن ردّ عليه وهو يكتب غرامة المخالفة:
  • تريد تذبح الحسين مو؟ هذي غرامة تلاثين ألف دينار وأنعل أبوك لابو ابن زياد الدزّك.

وعادة ما يختار المسؤولون عن تمثيل الواقعة أن يكون الممثل الذي سيقوم بدور الشمر ذا ملامح إجراميّة ووجه قبيح تُضاف إليه مكمّلات مكياجيّة تُبالغ في قبحه وشذوذه كباروكة الشعر الشعثاء التي تبعث على أن يكون الكره تجاهه كُرهاً مُضاعفاً.

وفي طرفة مشهورة أنّ مفرزة من الانضباطية كانت تجوب حلقة من حلقات تمثيل الواقعة، ميّز أحد أفرادها شخصيّة الشمر على إنّه فلان الفلاني، الجندي الهارب من الخدمة الإلزاميّة (إفرار)، فانقضّ عليه أفراد المفرزة، وألقوا القبض عليه، وسيق إلى سيّارة (الواز) العسكريّة حيث سيساق إلى (الحارثية) وهو يصيح:

  • تره مو بس آني افرار، حتّى حرملة ومالك بن أنس همّنه افراريّة.

وقد تروى هذه الطرفة بشكل آخر لا نراه لائقاً للعرض.

وأطرف ما سمعت في هذا الصدد أن أحد ممثّلي هذا الدور، وكان قد أفلت من يد أحد النظّارة غداة قتله لشبيه الحسين، وُجد في اليوم التالي ملطّخاً بدمائه وهو يصرخ طالباً النجدة، فقد لقيه ذلك الشخص الذي أراد إلحاق الأذى به غداة قتله للشبيه، وبادر على الفور بضربه قائلاً:

  • مو أنت اللي أمس كتلت الحسين؟ عبالك فلتت منّي؟ اليوم أخلّي دمّك طشّار واهليّة.

ويبقى السؤال قائماً؛ من هو الذي سيحوز ثواباً أكثر، ممثل دور الشمر؟ أم ضاربوه بالحجارة من النظّارة؟

Top