كريم راهي

خاطرة في روائح (التمّن وقيمة)

خاطرة في روائح التمن وقيمة     2017/09/29 19:15 عدد القراءات: 2433






كريم راهي

 

لغاية السنة التي مُنعت فيها كل مظاهر النواح تماماً (1977)، كانت ذاكرتي قد أُلغمت بالأشعار والنُدب والمراثي، ما حفظتهُ منها وما بقِيت وشلة من ألحانهُ فقط، أدندنُ بها ساعة يكون الحنين لتلكم الليالي حالكة السواد، قد أخذ منّي ما أخذ.

كان لحمزة الزغير وجاسم النويني (الطويرجاوي) من تلكم الرواسب، حصّة الأسد. فهذان الرادودان اللذان امتلك كلّ منهما صوتاً لا أظنّ أن تأريخ النياحة سينجب مثيله، كانا،كلّما استمعتُ إلى أحدهما، يأخذ بتلابيبي إلى منطقةٍ نائية في الذكرى، أسترجعُ فيها روائح المشاعل والتمن وقيمة المختلطة بأصوات الطبول والصنوج والأبواق، وصدى أصوات النادبين والبكّائين التي لا تخلو منها واحدة من أواخر ليالي الحزن العشر.

لكنّي، وإن كنتُ أحمل في داخلي نائحاً صغيراً، وبسبب من نشأتي في بيئة خصبة بالشعر، كنتُ دون كلّ أقراني، أحاول أن أشبع فضول الشاعر الصغير، الذي سيكتبُ بعدها بأربعين عاماً نوائحه ومراثيه الخاصّة.

في واحدةٍ من جلساتنا أيّام البرد والثلج، وقريباً من نجم القطب، سيكون لي أن أسأل الصديق الفنّان (كوكب حمزة) عن واحدة من أجمل ألحانه، (ابنادم)، التي كتبها الشاعر الراحل (ذياب گزار)، أبو سرحان، فيُجيبني بلا تردّد، أنّه وضع اللحن والتوزيع متأثراً بصوت وأداء (حمزة الزغيّر) بالذات، فلا يأخذني العجب، لأنّ رادوداً بمثل هذا الرجل ضئيل الحجم، ضخم التركة، لابد وأن يترك أثراً في عطاء كلّ من عاصره، بطريقةٍ أو بأخرى.

وفي واحدة من مأثورات هذا الرجل، اكتشفت الشاعر العملاق (عبوّد غفلة)، الذي سأصرّ على أن هذا الشاعر الأميّ، الذي كان يعمل مناولاً لدلاء الماء للبنّائين في النجف، هو شاعر العاميّة الأعظم على الإطلاق. وليس غريباً أنّ يُشار إليه على أنّهُ (أمير الشعراء الشعبيين)، إذا ما دار حديث حول الشعر الفرات أوسطي.

لستُ هنا بصدد رواية كيفيّة عثوري على هذه القصيدة الغريبة في معانيها، الجزلة في سباكتها، ولا عن الرادود النجفي سائق التكسي الذي رفض أن يأخذ منّي أجرة بعد أن قرأتُها على مسامعه وأرشدتهُ إليها، لكنّ الغريب أنّ لا أحد سأل النويني، يوم كان يُنشدها، السؤال التقليديّ الذي غالباً ما يُطرح من اللاطمين.. (لمن.. لمن؟) فيُجيب بما سيوفّر عليّ عناء البحث والسؤال لسنوات طوال.

لكنّها، على أيّة حال، تبقى برأيي، واحدة من عيون الشعر الشعبي، ومن غرائب (اللطميّات)، فهي الوحيدة من بين الآلاف، التي يردُ فيها ذكر الحبيب والمحبّ وكأس الحميّا، في مرثيّة حسينيّة!!!!

والقصيدة، لمن يريد الاستزادة، موجودة في الجزء الثاني من ديوان عبّود غفلة، ذي الأجزاء الخمسة، ومستهلّها (أَرْدَ أحورب وأشن غارات العِتب).

وهنالك قصيدة أخرى اشتهرت بصوت (حمزة الزغير) وأداها في ما بعد الشيخ (عبد الرضا) ومطلعها (يا شبه نوح بإنسهه وجانهه) لطالما شُغلتُ بالاستقصاء عنها، أملاً في الوقوع على كاتبها الذي زعموا بالقول أنها لغفلة نفسه، لكن العجب أن أيّاً من أجزاء ديوانه الشعريّ الخمسة، لم يتضمّنها.

وبين تبحّر في كتب الشعر، وإبحارٍ في وصلات النيت التي أسلمتني من رابطٍ لآخر، استطعتُ الوقوع على برهانين أظنّهما كافيين في إسناد زعمي بنسبتها لأبي روضان، أعني عبّود غفلة. كما أنّني إضافة لما استللته من ذاكرتي، وما استطعتُ جمع ما تناثر من أفواه القارئين والرواة للقصيدة ذاتها، أفلحت في الحصول على النص شبه النهائي لها، خارجاً بسعادة منقوصة، هي أنّي لم أستطع العثور على شطر واحد منها، ظلّ أمنية عصيّة للآن.

ففي الصفحة 178 من كتاب (النجف الأشرف/ ذكريات ورؤى/ وانطباعات ومشاهد) للنجفي (عبد الحسين الرفيعي)، يرد نسب القصيدة لغفلة، والتسجيل الصوتي تردُ فيه إجابة الرادود الحسيني الراحل (الشيخ عبد الرضا) للسائلين (لمن) في واحدة من مجالس العزاء التي أقيمت في إيران عام 2003 ، بالقول إنها للشاعر عبّود غفلة، وهي إعادة متأخرة لنفس القصيدة التي أنشدها في الستينيات وذاع صيتها في الأرجاء، وصار الكثيرون من بعده ينشدونها بذات الطور وذات النغم (سيگاه) كما أظنّ:

يا شبه نوح بإنسهه وجانهه ... وين يامن ما ارهبك طوفانهه

وين، يامن تنضچر، محجوب وين؟ ... ماترالك أثر من هالناس عين

مادرينه، بسجن شخصك لو رِهين ... لو بطرّادة انكسر سكّانهه

يو شِبه عيسى يصابر يا ورِع ... للسِمه من الگاع شخصك مرتفع

ما يصير، وصار، بالعالم طمِع ... مثلك اعله الصبر يا صلطانهه

يو شِبه يونس يبن سر (هل أته) ... لِفَت ليه الحوت لاچن بلعته

يو شِبه يوسف الذبّوه اخوته ... بظلمة الجب واتهمت سرحانهه

صفه اعليك الماي يبن المصطفه ... وذاك مايوس العليه مايه صفه

أصبح الإسلام طير اعله اسعفه ... وبيه تختض من جميع اركانهه

فوگ راسه الحوم، لا شُبهه وِشكّ ... نوّج الصيّاد حدره وحط شرَك

لو نزل ينصاد، لو طار ايهَلَك ... وگام بالسعفة يگص ضمّانهه

أصبح بهالمثل دينك يا شهم....... أرض ما تحماه ولا بالجو نسم

حد عليك (............) ....... مثل ردم البالودايع خانهه

وين أهل (ياليتنا كُنّا معك)؟..... مايشوفون العرض ستره انهتك

والله لو أحرار إلهم ما مُلَك ..... عبد دون الرب يِعَبْد أوثانهه

ويُقال في حكاية يرويها النجفيّون في مجالسهم الخاصّة بروايات مختلفة، أن قوّة هذه القصيدة التي تستنهض (الإمام المهدي) وتتعجّله الظهور، كان فيها من حدّةِ القول ما حدا بالمهدي لأن يزوره في المنام ويهدّده بشلّ لسانه إن لم يتوقف عن استنهاضه قائلاً لهُ إنّ الأمر ليس بيده وإنّهُ كالسجين ينتظر أمراً إلهيّاً بالظهور. ويُقال أيضاً إن الشاعر الراحل التجأ إلى ضريح الإمام علي بالنجف، مُستجيراً بهِ، وشاكياً له أمر تهديد حفيده ذاك، وإنّ المهدي زاره في المنام ثانية، وقال لهُ أن الأمر منتهٍ بعد شكايته جدّه. ويقال أنّه توقّف في أشعاره اللاحقة عن استعجال المهدي بالظهور حتّى رحيله.

 

 

Top