ولا طگّة

ولا طگة     2017/09/22 16:56 عدد القراءات: 1592




الحياة تمنح لمرّة واحدة، واليوم الذي يمضي لن يعود. هكذا تعلّمت من عمر الخيّام، شيخي الذي أحاول ان أتشبّه به كلّما فتحت لا على التعيين صفحة من رباعيّاته (بترجمة أحمد الصافي النجفي طبعاً) وقرأت:

من كان نصف رغيفٍ في الحياة لهُ            ومسكنٌ فيه مثواهُ وراحتُهُ

لم يغدُ سيّد شخصٍ أو غلام فتىً              فهنِّهِ فلقد راقت معيشتهُ

تسعينيّات القرن المنصرم، والحصار يفرض عليك التحايل بأيّة وسيلة من أجل كسب نصف الرغيف هذا لك ولعائلتك، أنت ترزح تحت غائلة الجوع، وعملك في هذا المجال أو ذاك لا يكاد يسدّ رمقك، فكيف باكسسوارت حياتك التي لا تتنازل عنها، إسوة بالخيّام، وتبذل ما في وسعك من أجل توفيرها؟

الحلّ يكمن إذا في عملٍ رديف، ذي مردود ماديّ إضافيّ لا بأس فيه.. فكانت الوجهة أربيل!

في بداية السبعينيّات، العام 1971 بالتحديد، وعقب توقيع (ميثاق العمل الوطني) بين حكومة البعث والحركات الكرديّة المسلحة، كان الاسم السائد لهذه الواقعة هو (عيد حلّ المشكلة الكرديّة) الذي اتخذ اسماً أكثر سهولة في ما بعد، ألا وهو (دعش آذار)، وكان هذا (العيد) مناسبة لأن يحتّم فيه الأكراد تعليم لغتهم في المدارس العراقيّة، إسوة بتعلّمهم القسريّ للعربيّة التي كانت المناهج الدراسيّة الموحّدة تفرضها. وكان أن وزُّع مع ما وزّع لنا من كتب الصفّ الثاني من المرحلة المتوسّطة، كرّاس نحيف صادر عن وزارة التربية، حمل عنوان (اللغة الكرديّة)، وخُصّص درسان في الأسبوع الواحد من أجل تعلّم فكّ طلاسم هذه اللغة التي بدت غريبة بعض الشيء بحركات الشكل المميّزة لها وهاءاتها الكثيرة، وعباراتها التي كانت تبعث على الهزء.

وما أن دقّ جرس الدرس الأوّل لحصّة اللغة الكرديّة، إلا والأستاذ (حمه صالح) بقامته الجبليّة وطلعته البسيطة، يردّد فيما نحن نُردّد وراءه: قوتابي، ماموستا، قوتابخانه، قسه بكه، أو عبارات أفخم فيما بعد من مثل: زوي زوي جوتيار ده ره بگ نه ماوه، التي عرفت أنها تعني أن الأرض أرض الفلاّح ولا مكان للإقطاعيّ فيها.

تعلّمنا الكرديّة إذن، ونسيناها بنفس السرعة التي تعلمناها فيها، فلا حاجة للذاكرة بأن تحتفظ خلاياها بعلم لا يُنتفع به. في السنين التي تلت صار لنا زملاءٌ أكراد، أعني سنوات الدراسة الجامعيّة، وصرنا نتلاطف وإيّاهم بحذر، خوفاً من أن يُساء فهم مزاحنا معهم على أنّه انتقاص، لكنّنا كُنّا على أيّة حال نحمل لهم مودّة خالصة لأنّهم كانوا يشاركوننا المقاعد الدراسيّة ذاتها بمثل ما كانوا يشاركوننا أسرّة النوم في الأقسام الداخليّة. وصار سوران وهيوا ودلشاد أصدقاء حقيقيين لنا، ننادمهم ونضحك معهم دون أن نولي أمر عربيّتهم غير المتقنة، أدنى اهتمام، فهم في كلّ الأحوال يتكلّمون لغتنا بينما نحن لا نتكلّم لغتهم.

في سنوات الخدمة العسكريّة اختلف الأمر، فالأكراد كانوا مستثنين من الخدمة، ولم يُتح لنا الاختلاط بأفراد ومراتب من الكرد لأن الحكومة كانت لا تثق بولاءاتهم للدولة.. فهم (عصاة) مناوئون للسلطة. ولم يكن هنالك من أصدقاء للدولة منهم سوى (الفرسان) الذي أكتسبوا لقب (البغال) أيضاً من عامّة الأكراد.

أما في سنوات السجن فقد اتخذ الأمر منحى آخر، فأنت مجبرٌ على العيش والتعايش مع أحد مقاتلي (البارتي) أو (اليكتي) فيما لو جمعتك وإيّاه زنزانة واحدة، أو حفل تعذيب واحد، والتفاهم معه بلغتك، فأنتما بالنتيجة صديقان لعدوّ مشترك.

صار لنا آنذاك أن نتعلّم مفردات كردية أكثر نفعاً من الـ (زوي زوي) والـ (قوتابخانة)، الأمور اتّخذت هذه المرّة شكلاً أكثر واقعيّة، واللغة التي كنّا نتفاهم بها كان حتميّاً أن ترد فيها مفردات أكثر قرباً للاستخدام اليومي من مثل: بفر، برنج، گه، للدلالة على الثلج أو الرز، أو الثور الذي يكنّى به عادة رجل الأمن الذي نراه مقبلاَ فنبادر لتحذير بعضنا باللغة التي لا يفهمها ذلك الثور.

ثم حدث عصيان 1991 الكردي المسلّح الذي ترافق وانتفاضة آذار، ولم يعد هنالك من اتّصال مع هذا الزميل الجامعي أو ذاك الرفيق من شركاء القمل والقراد والزنزانات العفنة. فقد صارت للأكراد دولتهم الخاصّة التي لا تسري عليها قوانين حكومة بغداد، وحدثت مُذّاك القطيعة.

وعلى هذا فإن الجيل الذي عاصرناه من أكراد العراق كان يتحدّث العربيّة، فيما أقصت القطيعة أمر تعلّم من لم نجايله منهم، عربيّتنا. وفي الحقيقة فإن بعض المعاندين، ممّن سنلتقيهم في (كردستان) منتصف التسعينيّات، كانوا يتنكّرون للعربيّة، ويصرّون على أن نتم معاملاتنا وإيّاهم من خلال وسيط يتحدّث اللغتين.

كنتُ مرّة مع شركاء لي نعقد صفقة تهريب أجهزة ستلايت، أيّام الحصار والفقر والمنع، واتّفق أن حُسم الأمر دون الحاجة لمترجم، فقرّرنا العودة من أربيل إلى الموصل فبغداد. في الگراج اقتربت من أحد أصحاب الأكشاك هنالك، وكان يبدو عليه أنه من مجايلينا، وسألته بأريحيّة، بالعربيّة طبعاً، عن حاجتي لعلبة سجائر (فايسروي)، فأجابني بالكرديّة قائلاً:

  • عربي نا زانم! [أي: لا أعرف العربيّة]
  • ما تعرف عربي؟ سألته متعجبّاً فقال بثقة:
  • ولا تگّة!

Top