العشيرة الإلكترونيّة

العشيرة الإلكترونية     2017/09/18 15:12 عدد القراءات: 1771




كنت قبل أيّام أتحدّث مع أحد المهتمّين بتأريخ العراق، عاش جلّ حياته في المهجر، وكان حديثنا عن الفهرسة التي دأبت الدوائر المختصّة بالتراثيّات على اعتمادها في توثيق مقتنياتها من الوثائق والمخطوطات، وذلك باصرارهم على أن يكون نظام تلك الفهرسة على حاله، منذ أن وضعت المس (جرترود بيل) أوّل حجر في (المتحف العراقي) ولحدّ الآن. وكان يتحدّث بألم عن سجّل المخطوطات الورقي الذي تكاد أوراقه تتهرّأ أو هي تهرّأت بالفعل، وقد لاقى صعوبات في الحصول على ما كان يبحث عنه. مثل هذه السجلاّت في العادة تكون منتفخة من زاوية التوريق، جهة اليسار السفلى لكثرة ما مرّت عليها من أصابع مبلولة.

ومثل هذا النظام ما زالت تتبعه الكثير من دوائر الدولة كالنفوس والماليّة والتسجيل العقاري والمكتبات العامّة التي لم يعد يزورها من أحد. وليس في بال أي أحد أن هنالك نظماً للأرشفة غير مكلّفة ستوفّر الجهد والوقت على صاحب الحاجة بدلاً من البحث بالأصابع في سجلات هذا الحرف أو ذاك.

تسعى حكومتنا الرشيدة، ومنذ العام الذي عقدت فيه أولى جلسات مجلس الحكم، لإقرار نظام (الحكومة الإلكترونيّة) الذي يُتيح إنجاز المعاملات بسهولة و(يسر)، ويختصر الطريق على الفرد العراقي في تحصيل أية وثيقة يحتاجها قاطعاً الطريق على أصحاب الرشاوي والمنتفعين.

إلا أنّ العقبات التي واجهها هذا المشروع تمثّلت في أنه ليست هنالك من شركة برمجيّات عالميّة محترمة كانت ستوافق على شروط ما خلف الأبواب الموصدة، فآل المشروع إلى النسيان.

وقعت عيناي قبل أيّام على إعلان فيسبوكي مموّل تعرض فيه شركة عراقيّة للبرمجيّات آخر منتجاتها من السوفتويرات، وقد لفت انتباهي إن الشركة تعلن عن آخر إنتاج برمجي لها تحت اسم (برنامج العشيرة)، وتصوّرت في باديء الأمر أن وراء الإعلان نكتة ما، غير أن الجديّة والصرامة التي ظهر بها الإعلان جعلني أقف مندهشاً للحال الذي أوصلنا لأن تقوم شركة برمجة بإنتاج مثل هذا الشيء في الوقت الذي تقف فيه الدولة عاجزة من أن توفّر على (نفسها) جيوش جرّارة من البطالة المقنّعة التي ما زالت ديباجة (كتابنا وكتابكم) تخطّ بالأقلام!

يقول نصّ الإعلان: "برنامج العشيرة برنامج لتنظيم وادارة سجلات الدفع الشهري للعشيرة و صندوق العشيرة بالاضافة الى تنظيم سجل الديون التابعة للصندوق حيث يغنيك عن الحساب الشهري و عرض قوائم الاسماء التي لم تدفع,البرنامج سهل الاستخدام ولايحتاج الى خبرة في مجال الحاسبات و مستعدون لادخال البيانات لسجلات السنين السابقة".

والذي زاد إعجابي وتعجّبي أن الشركة المعلنة وضعت صورة لبعض الميزات التي حوى عليها البرنامج، مثل إدخال القيود فيما يخصّ حقول: إضافة دين، تسديد دين، عرض مجموع الديون، عرض سجلّ تسديد الديون، مسح الفرد.. إلخ.

شركة البرمجيّات هذه، ولا شكّ، جادّة في عملها، وأظنّ إن مشروعها العشائري ماضٍ لأن يجد لنفسه مكاناً لائقاً ما دامت الفصول قائمة على قدم وساق، فلا بدّ من صندوق، ولا بدّ من أمين له، ولا ريب أن تراكم خزينة العشيرة التصاعدي جعل الحاجة لمثل هذا البرنامج قائمة.

وهنا سأكون على يقين تام بأن الدولة فيما لو فعّلت مشروع (الحكومة الإلكترونيّة) فلا شكّ أن العقبات التي كانت تقف عثرة في طريق المشروع الوطني الذي لم يقدّر له أن يُنفّذ، لن يكون لها أن توجد بفضل هذه الشركة الوطنيّة التي بالتأكيد ستُقدّم تسهيلاتها أمام لجان العقود التي لم تستطع الاتّفاق مع الشركات العالميّة.

نقرت على الرابط لأستزيد، فوجدت أن الشركة إضافة لتوفيرها البرمجيّات، تعلن عن مشاريع تخرّج جاهزة وبأسعار تنافسيّة! هنا بدأ إعجابي بمهندسي الشركة يتراجع، وتحوّل إلى نقمة حقيقيّة.. أمن المعقول أن تصل الأمور حدّ أن الطالب الجامعي بإمكانه أن يشتري مشروعه التخرّجي الجاهز، ليعفي نفسه من عناء البحث والدراسة!!

أمس، في طريق العودة للمنزل، كان سائق التكسي المسكين يُبدي تذمّره من أن عشيرته يتوجّب عليها أن تدفع أربعة ملايين دينار كفصل لراكب درّجة رمى بنفسه عمداّ أما سيّارة أحد أفراد العشيرة، وكان يبدو أن عليه أن يشارك بدفع ما هو أكبر من طاقته لأن ولده الأكبر في آخر مرحلة من دراسته الجامعيّة.. ووو.

قلت له ناصحاً، وقد وجدتُ أنه قد حانت فرصتي في إفراغ الطاقة السلبية التي نالتني من جراء عرض الشركة السخيّ:

  • لا عليك.. بشّر أمين صندوق العشيرة بأن هنالك برنامجاً للتخفيف عن ضغوط الحسابات اليدويّة، كما يمكنك الإستفادة العكسيّة هذه المرّة، فالشركة إيّاها تبيع مشاريع تخرّج يمكن للعشيرة أن تدفع ثمنها من صندوقها الإلكتروني.

 

Top