كريم راهي

لعنة الميلانين

لعنة الميلانين     2017/09/01 18:25 عدد القراءات: 1484




كريم راهي

 

منذ العام الذي أنتج فيه فيلم (الرسالة)، أي قبل واحد وأربعين عاماً، وحتى الليلة الفائتة، والقنوات التليفزيونيّة لا تنفكّ عن إعادة عرضة، سواء بنسخته العربية أم الإنجليزيّة، مترافقاً مع واحد من المناسبات التالية: عيد الفطر، عيد الأضحى ورأس السنة الهجريّة، عنك المرّات التي يُعرض فيها في هذه المناسبة أو تلك. وفي كلّ مرّة أكون مرغماً فيها على مشاهدة الفيلم، أراني ضارب الفكر في أمر شخصيّتين فقط فيه، هما (وحشي) قاتل (حمزة)، و (بلال الحبشي) المؤذّن فيما بعد.

هذان (العبدان) الأسودان، رغم تباين موقفيهما واخلاف مكانيهما كليّاً، سبّبا عندي أزمة طالما كانت تدفعني للبحث عن تأريخ الرقّ في عصري الإسلام وما قبله، وما ينطوي وراءه من أسباب جعلت (الحبشيين) بالذات هدفاً لغارات القراصنة العرب عليهم، وجلبهم رقيقاً.

ترتبط مفردة (عبد) في المأثور العربي الموروث، على ما تنطوي عليه من دلائل تحقير، لغويّاً بالرقّ، وصارت عبارة (عبدٌ حبشيّ) الملتبسة، تقابلها على الطرف الآخر عبارة (حُرٌّ قرشيّ)، ككناية يراد منها الإطراء. وكان إذا أريد النيل من أحد ما في أعرافنا، فشتيمة على شكل (سوّد الله وجهك!) حاضرة.

أما عن تبرير المفسّرين للآية الكريمة: "يوم تبيّض وجوه وتسودّ وجوه".. فإنه يتبيّن بالعبارة التي تليها:   " فأمّا الذين اسودّت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون"، وهي العبارة التي سوف ندخل في تأويلات لها لا تنتهي إلا يوم يحسم أمر الفئة الناجية.

ولكي لا أتّهم بالهرطقة والزندقة وما إليه، فإنّي أضع نموذجاً مما ورد في كتب الحديث المعتمدة من أدبيّات هي في صلب الموروث وضمن رقعة خطوطة الحمراء:

"اسمعو وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبدٌ حبشيّ كأن رأسه زبيبة"

وعدا عن كون بلال "عبداً حبشيّاً" دخل الجنّة، وإنّ خشخشة نعليه سُمعت هناك، فإنّ أبا لهب دخل النار وهو "الحرّ القرشيّ"، وهي مفارقة تنحاز في ظاهرها إلى جانب الضعفاء، إلا أن رائحة التمييز تفوح منها.

في فيلم الرسالة، يحاول المخرج إيهامنا برواية يبدو أنّها انطلت على الجميع، فبعد الكمّ الفلكيّ من مرّات عرضه، بنسختيه العربيّة والإنجليزيّة، كما قلت، صارت الأوقات القادمة لإعادة عرضه معروفة من خلال الأيّام الحمراء على مفكّرات الحائط. وسيتبيّن أن التأريخ لا يصنعه القادة العظماء ولا البروليتاريون الثوريّون، بل منتجو الأفلام.. هذا إذا كانت الميزانيّات المرصودة لها مدعومة نفطيّاً.

في الفيلم، يُطرح بلال الحبشي على أنّهُ صحابي من أصول أفريقيّة أصبح مؤذناً حيثُما أخلي سبيل الناقة فبركت، ولم تتحدّث صفحة واحدةٌ من التأريخ عن أسر أجداده وجلبهم رقيقاً إلى مكّة.

والمشكلة الأكبر إن هؤلاء الأحباش المستعبدين، انتقلوا حيث انتقل المسلمون لفرض دينهم، وصارت أعدادهم تتزايد بالتكاثر، والظلم والحيف مرافق لهم للحدّ الذي كوّنوا فيه أكثرية قادها الزنجي (علي بن محمد) في ثورتهم المعروفة، أيّام العباسيين (255 هـ). ووفّقوا في إقامة دولتهم في (المختارة) بالبصرة.

لقد ارتبطت كلمة (زنجي) في مأثوراتنا، بكلمة (زنچ) كناية عن الرائحة العفنة، وهو الإتهام الذي يصم به تاريخنا الموروث رائحة ذوي البشرة الداكنة من البشر أمثالنا. وفي رواية متواترة عن أحد أصحاب الحسين (ع) في واقعة طف كربلاء، وهو عبد ورثه الحسين عن أبيه، واسمه (جون)، أنه وقف عليه شهيداً، ودعا له أن يبيّض الله وجهه وأن يعطّر ريحه.

لا أدري إن كان رواة التأريخ قد لمّحوا إلى كمّ العنصرية المتوارث في أدبيّانا المقدّسة، أم إن الخطوط الحمراء تمنع من أن يتصدّى باحث ذو خلفيّة فكريّة متحررة من قيود الموروث المحرّم، لينصف هذه الأقليّة التي لا زالت لليوم تعاني من نظرة الآخرين الدونيّة لها، بسبب صبغة (الميلانين) العالية في جيناتهم الموروثة، التي عزلتهم في هذه القارة المنكوبة على مرّ الأزمان.

Top