دفعة فالح ربعية

دفعة فالح ربعية     2017/08/21 16:57 عدد القراءات: 3470




ما دفعني للشروع بتدوين هذه الذكرى، ما قرأته مؤخراً عن نيّة الحكومة بالعبث بالحقوق التقاعديّة للتدريسيّين الجامعيّين، فما أن طالعت الخبر حتّى تقاطرت أمامي تلك الوجوه المشرقة التي رسمت لنا حظوظنا وقسّمت أرزاقنا نحن طلبة الجامعات نهاية السعينيّات وبداية الثمانينيّات، الذين كنّا نفاخر غيرنا بأنّنا دفعة الدكتور الفلاني الذين تخرّجنا على يديه، ونتذاكر أحياناً فنتعارف إذا ما التقينا غيرنا من خرّيجي الجامعة نفسها من خلال ذلك. أمّا إذا تعذّر تذكّر أسماء المدرّسين، فالتعرّف يكون من خلال دفعة فلان أو علان من الطلاّب ذوي الشهرة والتميّز، مثل دفعة (عصام السوّاد) أو (صمد البصري).. إلخ. وكانت شهرة دفعتنا هي أنّها كانت دفعة (فالح ربعيّة)!

لم يكن عقد السبعينات ذهبيّا على الصعيد الإبداعي فحسب، بل قل على كلّ الأصعدة ولا تخشَ، وخصوصاً الفترة التي تلت قرار تأميم النفط وأزمة التقشّف، فقد عاش العراقيّون في بحبوحة من العيش الرغيدلم تدم طويلاً، فما أن بدأت حرب الثمان سنوات، حتّى بدأ الإنحدار في كلّ شيء.. وليومك.

ولربّما أستثني طلاّب الجامعات من تلك (البحبوحة) وأخصّ منهم طلاّب الأقسام الداخليّة (أهل المحافظات)، فبرغم أنّهم كانوا ينعمون بسكن مجاني، ويتقاضون مساعدات ماليّة بلغت حدّ الثلاثين ديناراً في الشهر الدراسي (ما يعادل مائة دولار)، إلاّ أن ذلك المبلغ لم يكن يسدّ حاجة الكثيرين منهم ممّن كانوا يبحثون عن أسباب اللذّة ويحجّون إليها أيّان كانت الوجهة، وهي العصبة التي كنتُ طرفاً فيها، شلّة طيّب الذكر والأثر (فالح ربعيّة)!

فعدا عن مآثره التأريخيّة التي يضيق بها المجال هنا، كان الرجل شاعراً مطبوعاً، ينتمي جلّ شعره إلى العبث، معبّراً عن طريقة العيش التي اختار أن يحياها. وهو علاوة على كونه معلّماً فذّاً في الرياضيّات، كان يتقن كلّ ما يتعلّق بحل النزاعات (البقبقيّة) التي كان أفراد (قطيعه) يلجؤون إليه فيها.

كان الدينار في متناول الجميع، وأجزاؤه المعدنيّة صالحة للتداول، وضع الدرهم كان ممتازاً، فبسبعة دراهم كان بإمكانك شراء قنّينة (فريدة) واحدة، أما إذا راق لك المزاج، فإن تكلفة ثلاث قناني ستكون دينار ودرهم، هذا في الأيّام الأولى لاستلام المساعدات، أما في العشرة الأواخر، فسيكون هذا المبلغ بالضبط قابلاً لإشباع أربعة بطون بدلاً من واحدة. فقد كان سعر ربع قنّينة (العصريّة) ثلاثمائة فلساً، نصف قنّينة خمسمائة وخمسين، بينما سعر القنّينة هو دينار ودرهم بالتمام والكمال، وعلى هذا الأساس، وبغرض توفير هذه الدراهم الثلاثة التي سيكون مصيرها جيب بائع (المزّة)، كان كل أربعة طلاّب يشتركون بشراء قنّينة، سيكون من الصعب قسمتها بالتمام لو لم يكن فالح موجوداً. وكان الجميع يحتفظون بزجاجة فارغة على الدوام بغرض القسمة، ولكي لا تكون ضيزى، يؤتى بالقنّينة إيّاها إلى فالح هذا الذي ما أن يُشرع بعملية القسمة حتى تنهي الأزمة في رمشة عين.. يفرغ منها في ثلاث من الزجاجات الفارغة هكذا، ثمّ يطابق بين الزجاجات الأربع فتكون متطابقة تماماً، أمّا كيف يتمّ له ذلك، فهذا سرّ صنعة لا يبوح به لكي يضمن توافد الرفاق عليه وكي يحظى بندامى كرام سينهون سهرتهم وإيّاه بعبارة: لقد أسعدتنا هذه الليلة!

الأمر المحزن أنّ فالحاً أنهى دراسته، وصار عليه أن يودّع حياة الأقسام الداخليّة ويلتحق بالخدمة العسكريّة الإلزاميّة، فقد كان تنّور الحرب قد استعر، وبدأت المحرقة تطلب المزيد من الوقود. في باب القسم الداخلي وقف زملاؤه (دفعته) مودّعين له، طالبين منه إفشاء سرّ الصنعة تلك، لأنهم كان عليهم أن يتبدروا أمر قسمة القناني بأنفسهم، بعد أن ظلّ محتكراً لها لسنوات.

  • بسيطة جدّاً.. الأمر لا يتطلّب الكثير من الرياضيّات.. البطل الواحد محسوب (44) بقبق، (22) منها نص، (11) بقبق ربع.. والربع ميتقسّم لأنّه عدد أولي! في أمان الله!

وضع أغراضه في صندوق التاكسي، ثمّ حشر نفسه داخلها، وانطلقت به مخلّفة العشرات من علامات الذهول حول هذا السرّ البسيط الذي حمله طيلة وجوده معنا في (الدُفعة).

Top