مقامة الغائب عن أصحاب المناقب

مقامة الغائب عن أصحاب المناقب     2017/08/18 19:22 عدد القراءات: 1298




جمال، أياد، عقيل، عماد، أنا طبعاً.. ولا أتذكّر الباقين، فقد مضى عهدٌ ليس بالقريب، وصارت الذكرى تنتقي نفسها بنفسها. مناسبة هذا الاجتماع هو وجود الصديق الشاعر عدنان الصائغ بيننا، في ستوكهولم التي كنتُ حديث العهد بها. شارباي محلوقان للتو، وفروة رأسي تلتمع تحت شمس سبتمبر الخفيضة.

أنتقي نداماي الدائميّين عادة بحسابات معقّدة، معادلات رياضيّة تدخل فيها معامِلات ومحدّدات ونسب ثابتة، قد لا أبالغ في القول حين أزعم أن ما يدخل من ضمنها هو لوغارتميات معدّة خصّيصاً لتبيان أن نتيجة تلك الحسابات تكون في النهاية أعداد صحيحة وموجبة.. فالحسابات الهندسيّة التي لم أستفد منها كثيراً في حياتي المهنيّة، دخلت في علاقاتي الاجتماعيّة فكان أن جعلتي أصطفي لنفسي هؤلاء، مبعداً غيرهم من القائمة، وجعلتني أميل لهذا الصنف وأعرض عن ذاك.

أعود إلى جلسة الاحتفاء بالشاعر المسكين الذي رمى به طالعه السيّء لأن يكون عضواً في حلقة أعضاؤها من ذكرتُ من الأسماء، والأسوأ من ذلك وجود جُسيم مرفوض كان يحاول آنذاك زجّ نفسه لاختراق هذه الحلقة محكمة الإغلاق.. كان هذا الكائن نوعاً من أدعياء كلّ شيء، فما أن يسمعك تقول أنّك فعلتَ كيت وكذا حتّى ينبري لك بالقول:- "ليش تگول؟؟ آني هميّنه سويّت الشيء نفسه.. ليش تروح بعيد؟ آني هم كذا وكذا".

خلق هذا الشعور عندي نوعاً من الإنزعاج، فالرجل جاء لكي يكون محتفى به، لا موضع استماع لمقولات متحذلق يحاول أن يسرق الأضواء من شاعرنا ليوجّهها إليه.. على أيّة حال، فلأبدأ بوصف هذه المجموعة العجيبة التي لا أحد من أعضائها يخلو من منقبة كبرى لصيقة به.

كنتُ قد ألححتُ على جمال قبلها بأيّام لأن يراجع طبيبه، لأنه كان يشكو من آلام عديدة، ولما كان جمال يخشى مراجعة الطبيب لأنه كان متأكّداً أنّه سيفرض عليه التوقّف عن الشرب قبل إجراء أي علاج، إلا أنه تحت إلحاحي الشديد ورجائي له بأن يرأف بنفسه، رضخ للأمر لكن على مضض وذهب للمستوصف. عاد جمال في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يكن، وحين سألته عن نتيجة الفحوصات أجاب بنبرة فيها من الجديّة الشيء الكثير:-

"فحصني الطبيب وگال لي كل شي ما بيك...."

صمت قليلاً وأردف:- "يشتغل.. لا كلية، لا كبد، لا بنكرياس.. كلشي بيك ميشتغل".

عماد كان قد كسر (البهريز) ذلك اليوم، وقرر شرب علبة بيرة واحدة خفيفة، لأنه كان معطوب الكبد أساساً. أما أياد فهو المجهّز الرئيسي للحلقة، فقد كان يمتلك جهاز تقطير منزلي نحصل منه على بضعة ألتار من فودگا السكّر التي يجيد تحضيرها. أمّا عقيل المغرم دوماً بأشعار أبي نؤاس، فلم يبق شيء يُشرب من المسكّرات لم يملأ به جوفه المتعطّش دوماً للشراب. ومنقبته الكبرى هي يوم قرّر أن يُصنّع بنفسه نبيذاً من العسل، مستلهماً الفكرة من قصيدة لشاعره المفضّل كان يُخاطب فيها (الخصيب) والي مصر الذي لجأ إليه فراراً من نكبة البرامكة، والقصيدة، كشأن الأغلب من أشعاره، تغزّل بالخمرة ووصف لها:

لا يصرفنّك عن قصفٍ وإصباءِ      مجموع رأيٍ ولا تشتيت أهواءِ

واشرب سُلافاً كعين الديك صافية   من كفّ ساقيةٍ كالريم حوراءِ

وتستمرّ باقي الأبيات في الوصف والتمجيد.. زرقاء، صفراء، إن مُزجت.. وهكذا إلي أن يصل إلى كشف أسراها التي تُبيّن أنّها ليست من نوع خمرة التمر المعروفة في العراق، وإنّما خمرة مادّتها الأوليّة هي العسل:

ليست إلى النخلِ والأعناب         نسبتها   لكن إلى العسلِ الماذيّ بالماءِ

نتاجُ نحلِ خلايا غير مقرفةٍ خُصّت بأطيب مُصطافٍ ومشتاءِ

يمضي عقيل إلى سوق الجملة، فيشتري كارتوناً ضخماً من قناني العسل، ويبدأ في تحضير الوصفة النؤاسيّة، متجاهلاً أسئلة زوجته المتعجّبة عن سبب شراءه لهذه الكمية من العسل، وهي العائلة التي تكفيها علبة واحدة فقط مدّة شهر أو أكثر. "مالچ شغل" يجيبها بغير اهتمام، ثمّ ينصرف إلى عمله بدأب مغالى فيه.

يُحمل إلينا، احتفاءً بالصائغ، (نتاج نحل الخلايا) ذاك، ينتهي فصل قراءة الأشعار، ثم نمضي لننتخب مكاناً لإكمال السهرة، مصطحبين الصائغ معنا.

لا أتذكر الكثير من التفاصيل، لكّن عقيلاً يذكر بوضوح أن ذلك المتحذلق أراد إقحام نفسه والظهور بمظهر القادر على مجاراة هذه المجموعة الذهبيّة، من أصحاب التواريخ موغلة العمق في الشأن إيّاه، يروي لي القصّة في اليوم التالي، والحلقة نفسها تجتمع في مكان آخر:

"أول ما شفت تعابير وجهك عرفت بيك راح تعيط بالولد، فما أن فتح حلگه بادرته أنت بالهجوم:

  • منو تكون حضرتك حتّى تلتحق بينا؟ شنو تاريخك؟ روح جيب لك منقبة وتعال، الجماعة هنا كل واحد منهم عنده CV ضخم، هذا –والإشارة لجمال-  كلشي بيه ميشتغل، ذاك –عماد- كبد منتهي الصلاحيّة، هذا –أياد- عنده معمل تصنيع فودگا، هذا –عقيل- مخمّر عسل من شِعر أبو نؤاس، وداعيك مسّوي واين عنب بنص سجن أبو غريب.. روح سوّيلك تاريخ وتعال!"

في كل جلسة كانت تتمّ بعد ذلك في غيابي الطويل عنهم، كان عقيل يبادر بالاتصّال محمّلاً بالتحايا من هذا وذاك، بينما صدى الضحكات يرنّ. قبل أيّام اتّصل قائلاً:

  • شفته صاحبك ذاك اليوم شايل له قوطيتين بيرة، يگول لازم أسوّي لي تاريخ حتّى أنضمّ إلكم بديلاً عن كريم الغائب.. 

Top